
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
179الوجود نازلًا على أدناها و أضعفها و هو الهيولى التي لا حظّ لها من الوجود سوى القوّة و الاستعداد ثمّ منها صاعداً إلى المبدأ الأعلى و العلّة الاولى منه المبدأ و إليه المعاد.
ثمّ أن أوّل صادر منه و أقرب موجود إليه هو العقل الكلّيّ و الصادر الأوّل أوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ العَقْلُ - إلى آخر الحديث. و هو العقل الكلّيّ الخارجيّ العينيّ لا الكلّيّ الذهنيّ المفهوميّ. و هو ظلّ الله و فيضه الأقدس، نعم و ظلّ الله الممدود من سماء الجبروت عالم السكون و المطلق و مركز الثبات، إلى عالم الملك و الملكوت و الناسوت موطن التغيّر و الحركات.
﴿أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً﴾۱
و هذا هو «وَجْهُ اللهِ الكَريمُ» الذي لا يفنى و لن يفنى أبداً و هو اسْمُ اللهِ العَظِيمُ الأعْظَمِ، و نوره المشرق على هياكل الممكنات الذي يطلق عليه عند الحكماء بِالنَّفَسِ الرَّحْمَانيّ و عند العرفاء بِالحَقِّ المَخْلُوقٌ بِهِ، و في الشرع رَحْمَتُهُ التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ و الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّةُ و الصَّادِرُ الأوَّلُ (أوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ نُورِي).
و هو الجامع لكلّ العوالم: عالم الجبروت و الملكوت و الملك و الناسوت، و جميع العقول المفارقة و المجرّدة و المادّيّة الكلّيّة و الجزئيّة عرضيّة و طوليّة، و النفوس كذلك كلّيّة و جزئيّة و الأرواح و الأجسام و المُثُل العليا، و أرباب الأنواع التي يُعَبَّر عنها في الشرع بالملائكة و الروح الأعظم الذي هو سيّد الملائكة و ربّ نوعها.
كل هذه العوالم صدرت من ذلك الوجود المطلق و المبدأ الأعلى الذي
- الآية ٤٥، من السورة ٢٥: الفرقان: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ و ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾.
