
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
178و رجعت إليها.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾۱
و إليه الإشارة بقولهم: بَسِيطُ الحَقَيقَةِ كُلُّ الأشْيَاءِ وَ لَيْسَ بِشَيءٍ مِنَ الأشْيَاءِ.
و التوحيد الكامل (رَدُّ الكَثْرَةِ إلَى الوَحْدَةِ، وَ الوَحْدَةِ إلَى الكَثْرَةِ).
و هذا الوجود الخارجيّ من أعلى مراتبه الوجوبيّة إلى أخسّ مراتبه الإمكانيّة و هي «الهيولي» التي لها أضعف حظّ من الوجود و هي القوّة القابلة لكلّ صورة، و لعلّها هي المشار إليها في دعاء السمات: وَ انْزَجَرَ لَهَا العُمْقُ الأكْبَرُ كلّه واجبه و ممكنه و مادّيه و مجرّده حقيقة واحدة و إن اختلف في القوّة و الضعف و الوجوب و الإمكان و العلّيّة و المعلوليّة.
و لكن كلّ هذا الاختلاف العظيم لا يخرجه عن كونه حقيقة واحدة و لا يصيّره حقائق متباينة، و إن كان بالنظر إلى حدوده و مراتبه متعدّداً و متكثّراً و لكن حقيقته من حيث هي واحدة لا تعدّد فيها و لا تكثّر.
أ لا ترى أن الماء من حيث أنواعه و أصنافه ما أكثره و أوسعه، فماء السماء و ماء البحر و ماء النهر و ماء البئر و هكذا و لكن مهما تكثرت الأنواع و تعدّدت المصاديق فحقيقة الماء و طبيعته في الجميع واحدة.
و هكذا سائر الماهيّات و الطبائع، إذاً فوحدة الوجود بهذا المعنى تكاد أن تكون من الضروريّات التي لا تستقيم حقيقة التوحيد إلّا بها و لا تنتظم مراتب العلّة و المعلول و الحقّ و الخلق إلّا بها.
إطلاق الوجود على مصاديقه على نحو الاشتراك المعنويّ
فالوجود واحد مرتبط بعضه ببعض من أعلى مراتبه من واجب
- الآية ۱٥٦، من السورة ٢: البقرة: ﴿الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾.
