
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
174و الذهب إلى آخر ما لها من المعاني المتباينة، على عكس المترادف الذي هو عبارة عن ألفاظ كثيرة لمعنى واحد، و المشترك الذي يعني وجود معاني كثيرة تحت لفظ واحد.
و قد نسب هذا القول إلى المشّائين أو لأكثرهم.
أو أنّه من المشترك المعنويّ، فوجود النار و الماء في باب المفاهيم، و وجود زيد و عمرو في باب المصاديق شيء واحد و حقيقة فريدة، و إنّما التباين و التعدّد في الماهيّات المنتزعة من حدود الوجود و تعيّنات القيود، فحقيقة الوجود من حيث هو واحدة بكلّ معاني الوحدة، و مابهالامتياز الامتياز هو عين ما به الاشتراك. فتدبّر هذه الجملة جيّداً كي تصل إلى معناها جيّداً.
توحيدُه تمييزُه عن خَلْقه؛ و حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة
و حيث أن القول الأوّل يستلزم محاذير قطعيّة الفساد؛ وَ مَا يَسْتَلْزِمُ الفَسَادَ فَاسِدٌ قَطْعاً. و من بعض محاذيره لزوم العزلة بين وجود الواجب و وجود الممكن و عدم السنخيّة بين العلّة و المعلول المنتهي إلى بطلان التوحيد من أصله و أساسه. و إلى هذا أشار سَيِّدُ المُوَحِّدِينَ وَ إمَامُ العُرَفَاءِ الشَّامِخِينَ أمير المؤمنين سلام الله عليه، حيث يقول:
تَوْحِيدُهُ تَمْيِيزُهُ عَنْ خَلْقِهِ؛ وَ حُكْمُ التَّمْيِيزِ بَيْنُونَةُ صِفَةٍ لَا بَيْنُونَةُ عُزْلَةٍ.
و للّه هذه الحكمة الشامخة و الكلمة الباذخة ما أجلّها و أجمعها لقواعد التوحيد و التجريد و التنزيه و دحض التشبيه، و الأصحّ الذي لا غبار عليه أن حقيقة الوجود من حيث هي واحدة لا تعدّد فيها و لا تكرار، بل كلّ حقيقة من الحقائق و ماهيّة من الماهيّات أيضاً بالنظر إلى ذاتها مجرّدة عن كلّ ما سواها يستحيل تعدّدها و تكرّرها، و من قواعد الحكمة المتّفق عليها أنّ: حَقِيقَةُ الشَّيءِ لَا تَتَثَنَّى وَ لَا تَتَكَرَّرُ، وَ المَاهِيَّاتُ إنَّمَا تَتَكَثَّرُ وَ تَتَكَرَّرُ بِالوُجُودِ؛ كَمَا أن الوُجُودَ إنَّمَا يَتَكَثَّرُ بِالمَاهِيَّاتِ وَ الحُدُودِ. يعني أن ماهيّة الإنسان و حقيقته النوعيّة إنّما تكثّرت بالأفراد العينيّة و المصاديق الخارجيّة،
