
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
170وحدة الوجود أو وحدة الموجود
هذه القضيّة من امّهات أو مهمّات قضايا الفلسفة الإلهيّة و هي تتّصل اتّصالًا وثيقاً بعلم الحكمة العالية و الإلهيّ بالمعنى الأعمّ الذي يُبحث فيه عن الامور العامّة، كالوجود و الموجود و كالواجب و الممكن، و العلّة و المعلول و الوحدة و الكثرة، و أمثالها ممّا لا يتعلّق بموضوع خاصّ، و لا حقيقة معيّنة من الأنواع لا ذهناً و لا خارجاً، و للتمهيد و المقدّمة نقول:
إن من المسائل الخلافيّة بين حكماء الإسلام و فلاسفة المسلمين مسألة أصالة الوجود أو الماهيّة، بمعنى أن المتحقّق في العين و الخارج هل هو الوجود و الماهيّة أمر اعتباريّ يُنتزع من الوجود المحدود المقيّد المتعيّن بالتعيّن الذي يميّزه عن غيره بالجنس و النوع و غيرهما من الاعتبارات؟ أو أن المتحقّق في ظرف العين و الخارج و نفس الأمر و الواقع هو الماهيّة و الوجود مفهوم اعتباريّ خارج عنها مُنتزَع منها محمول عليها من خوارج المحمول لا المحمولات بالضميمة؟
فماهيّة النار مثلًا إذا تحقّقت في الخارج و ترتّبت عليها آثارها الخاصّة من الإضاءة، و الإحراق و الحرارة صحّ انتزاع الوجود منها و حمله عليها، فيقال: النار موجودة و إلّا فهي معدومة.
و هذا القول، أعني أصالة الماهيّة و أن الوجود في جميع الموجودات حتى الواجب اعتبار محض، على الظاهر كان المشهور عند الحكماء إلى أوائل القرن الحادي عشر و عليه تبتني شبهة الحكيم ابن كمّونة۱ التي
- قال المُعلّق (القاضي الطباطبائيّ) في حاشية الكتاب ما يلي:
عزّ الدولة سعد بن منصور بن سعد بن الحسن بن هبة الله بن كَمّونة البغداديّ الشهير بـ «ابن كَمّونة». له مؤلّفات بخطّه في الخزانة الغَرويّة في النجف الأشرف. جدّه الأعلى هبة الدين بن كَمّونة الإسرائيليّ، كان من فلاسفة اليهود في عصر الشيخ الرئيس ابن سينا. له «شرح الإشارات» أهداه لشمس الدين الجوينيّ صاحب «ديوان الممالك».
- قال المُعلّق (القاضي الطباطبائيّ) في حاشية الكتاب ما يلي:
