
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
165كلام الفيض الكاشانيّ في الجمع بين ظهور الله و خفائه
قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَا تَتَعَجَّبْ مِنِ اخْتِفَاءِ شَيءٍ بِسَبَبِ ظُهُورِهِ، فَإنَّ الأشْيَاءَ إنَّمَا تُسْتَبَانُ بِأضْدَادِهَا؛ وَ مَا عَمَّ وُجُودُهُ حتى لَا ضِدَّ لَهُ، عَسُرَ إدْرَاكُهُ. فَلَوِ اخْتَلَفَ الأشْيَاءُ فَدَلَّ بَعْضُهَا عَلَى اللهِ دُونَ بَعْضٍ، ادْرِكَتِ التَّفْرِقَةُ عَلَى قُرْبٍ؛ وَ لَمَّا اشْتَرَكَتْ في الدَّلالَةِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ اشْكِلَ الأمْرُ!
وَ مِثَالُهُ نُورُ الشَّمْسِ المُشْرِقُ عَلَى الأرْضِ. فَإنَّا نَعْلَمُ أنَّهُ عَرَضٌ مِنَ الأعْرَاضِ يَحْدُثُ في الأرْضِ وَ يَزُولُ عِنْدَ غَيْبَةِ الشَّمْسِ. فَلَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ دَائِمَةَ الإشْراقِ لَا غُرُوبَ لَهَا لَكُنَّا نَظُنُّ أن لَا هَيْئَةَ في الأجْسَامِ إلَّا ألْوَانُهَا؛ وَ هي السَّوَادُ وَ البَيَاضُ.
فَأمَّا الضَّوْءُ فَلَا نُدْرِكُهُ وَحْدَهُ، لَكِنْ لَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ وَ اظْلِمَتِ المَوَاضِعُ ادْرِكَتْ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ الحَالَتَيْنِ. فَعَلِمْنَا أن الأجْسَامَ قَدِ اسْتَضَاءَتْ بِضَوْءٍ، وَ اتَّصَفَتْ بِصِفَةٍ فَارَقَتْهَا عِنْدَ الغُرُوبِ؛ فَعَرَفْنَا وُجُودَ النُّورِ بِعَدَمِهِ.
وَ مَا كُنَّا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ لَوْ لا عَدَمُهُ إلَّا بِعُسْرٍ شَدِيدٍ، وَ ذَلِكَ لِمُشاهَدَتِنَا الأجْسَامَ مُتَشَابِهَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ في الظَّلَامِ وَ النُّورِ.
هَذَا مَعَ أن النُّورَ أظْهَرُ المَحْسُوسَاتِ، إذْ بِهِ يُدْرَكُ سَائِرُ المَحْسُوسَاتِ. فَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِنَفْسِهِ وَ هُوَ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ، انْظُرْ كَيْفَ تُصُوِّرَ اسْتِبْهَامُ أمْرِهِ بِسَبَبِ ظُهُورِهِ لَوْ لا طَرَيَانُ ضِدِّهِ. فَإذَنِ الحَقُّ سُبْحَانَهَ هُوَ أظْهَرُ الامُورِ وَ بِهِ ظَهَرَتِ الأشْيَاءُ كُلُّهَا. وَ لَوْ كَانَ لَهُ عَدَمٌ أوْ غَيْبَةٌ أوْ تَغَيُّرٌ لَانْهَدَمَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأرْضُ وَ بَطَلَ المُلْكُ وَ المَلَكُوتُ وَ لُادْرِكَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الحَالَتَيْنِ!
وَ لَوْ كَانَ بَعْضُ الأشْيَاءِ مَوْجُوداً بِهِ وَ بَعْضُهَا مَوْجُوداً بِغَيْرِهِ لُادْرِكَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في الدَّلالَةِ، وَ لَكِنْ دَلَالَتُهُ عَامَّةٌ في الأشْياءِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ وَ وُجُودُهُ دَائِمٌ في الأحْوَالِ يَسْتَحِيلُ خِلَافُهُ؛ فَلَا جَرَمَ أوْرَثَ شِدَّةُ
