
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
153خضمّ الدعوة إلى الحسنات و السيّئات، فيسير بقدم ثابتة و إرادة راسخة متينة في مجاهدته للنفس الأمّارة بالسوء؛ فإذا به يرى نفسه في عالم تسوده العظمة و تهيمن عليه الابّهة و الجمال و الجلال؛ عالم تكتنفه الآثار التي تتمثّل في بروز الاستعدادات و ظهورها من حور العين و قصور و جنّات و خُلد و رضوان، و بالتالي الانمحاء و الانصهار في الذات المقدّسة للربّ الحيّ القدير، ثمّ التشكّل بشكل الفعليّة التامّة في جميع مراحل الوجود. و لا سبيل لوصول الإنسان إلى تلك الجنّة إلّا بالعبور من فوق جسور الشهوة و الأنانيّة و اجتيازها بجدارة، و لن يكون ذلك إلّا بالنزول من الجنّة الاولى و السير في دار التكليف و تصارع القوى الشيطانيّة الأمّارة بالسوء مع القوى الملكوتيّة الرحمانيّة. و محال هذا دون ذاك!
و مَثَل الجَنّة الاولى كذلك كمَثَل حَبّة، و مَثَل الجنّة الثانية كمَثَل شجرة بالغة و كاملة النموّ. و مع أن هذه الشجرة مع ما تحويه من جذع و جذور و أغصان و أوراق و ثمار و حبوب تلك الأثمار التي تُمثّل كلّ واحدة منها شجرة مستقلّة قائمة بذاتها و لها جميع خصوصيّات تلك الشجرة و آثارها و خواصّها، إلّا أنّها في الحقيقة نفس تلك الحَبّة و التي تحوّلت إلى هذا الشكل و تبدّلت بهذه الصورة. لكن بين هاتَيْن الحالتَيْن بون شاسع و فَرق كبير. أن تلك الحبّة الصغيرة و التي تبدو في بعض الأحيان تافهة و حقيرة و لا يمكن تصوّر خروج شجرة شامخة قويّة خضراء، تلك الحبّة هي شجرة الصنوبر. و لا يمكن المقايسة كذلك من جهة الآثار و المنفعة الوجوديّة بين تلك الحبّة و تلك الشجرة. و لو أنّنا لم نلحظ تلك الحبّة أو لم نَقُم بزرعها بأيدينا و نشهد بأنفسنا خروج و تبرعم تلك الحبّة ثمّ صيرورتها شجرة قويّة عالية و مثمرة، كشجرة التوت مثلًا و التي تُعطي اكلها عشرات السنين و تُسعد الكثيرين و تُبهجهم، لو لا كلّ ذلك لكان من المستحيل علينا أن
