
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
146و تؤول جميع الامور العدميّة إلى محدوديّة الامور الوجوديّة. و على هذا يكون عُمُر زيد الذي دام خمسين سنة قد قُيّد في سجل العلّة و المعلول الثابت لعالم الخلق و نظامه البديع و الأمثل و الذي هو مُسَبَّب من لدن مُسَبِّب الأسباب، و هذا الأمر لا يقبل التغيير و هو عين الخير و الرحمة.
و هكذا قُدِّر لزيد أن يوهبَ عُمُراً مقداره خمسون سنة و ذلك في سجلّ علل امور العالم. و تُعتبر حياته التي دامت خمسين عاماً أمراً وجوديّاً و هي عين الخير و الرحمة، و أمّا عدم حياته بعد هذا المقطع الزمنيّ و الذي نعبّر عنه بالفقدان و الشرّ و الضرر فهو أمر عدميّ. فهو لا شيء لعدم تحقّق علّة وجوده في الخارج، و ما كان من حياته التي دامت خمسين سنة و التي هي أمر وجوديّ هي عين الخير و الرحمة و الصلاح و الحكمة. فما ذا ينتظر زيد أكثر من ذلك؟ و ما الذي يريده من نظام الخَلق؟
و هنا لو قال (زيد): لِمَ لم يبلُغ عمري الستّين؟ لِمَ لم تُضَف عليه عشرُ سنوات اخرى؟
نقول جواباً عليه: أوّلًا لو كانت قد اضيفَت عشر سنوات أخرى على عُمُرك و أصبح ستّين لاعترضتَ بنفس هذا الكلام عند احتضارك و قُلتَ: هلّا بَلَغْتُ السبعين. لِمَ لا تُضاف على عُمُري عشر سنوات أخرى، و هكذا دواليك، فحتّى لو عمّر زيد ألف سنة لتمنّى عند حضور الموت و الفقدان أن يكون عمره ألف سنة و عشراً. و هكذا صعوداً حتى نشهد زيداً و قد وصل عمره الملايين و المليارات؛ و مع ذلك فهو لا يرغب في الموت، لأنّ الموت يكون حينها أمراً عدميّاً كذلك و شرّاً و نقصاً و فقداناً و قطع حياة و معيشة و تكمن مصداقيّة ذلك في «حُكْمُ الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد».
و الخلاصة أن زيداً يطلب الحياة الأبديّة و الخلود.
