
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
127فنفى سبحانه سلطانه إلّا في ظرف الاتّباع، و نظيره قوله تعالى: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾۱
و بالجملة فإنّ تصرّفه في إدراك الإنسان تصرّف طوليّ لا ينافي قيامه بالإنسان و انتسابه إليه انتساب الفعل إلى فاعله، لا عرضيّ ينافي ذلك.
فله أن يتصرّف في الإدراك الإنسانيّ بما يتعلّق بالحياة الدنيا في جميع جهاتها بالغرور التزيين، فيضع الباطل مكان الحقّ و يُظهره في صورته، فلا يرتبط الإنسان بشيء إلّا من وجهه الباطل الذي يغرّه و يصرفه عن الحقّ، و هذا هو الاستقلال الذي يراه الإنسان لنفسه أولًا، ثمّ لسائر الأسباب التي يرتبط بها في حياته، فيحجبه ذلك عن الحقّ و يلهيه عن الحياة الحقيقيّة، كما تقدّم استفادة ذلك من قوله المحكيّ: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾٢
و قوله: ﴿رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾٣
و يؤدّي ذلك إلى الغفلة عن مقام الحقّ، و هو الأصل الذي ينتهي إليه فيحلّل كلّ ذنب، قال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾٤
فاستقلال الإنسان بنفسه و غفلته عن ربّه و جميع ما يتفرّع عليه من سيّئ الاعتقاد و رديء الأوهام و الأفكار التي يرتضع عنها كلّ شِرك و ظلم
- الآية ٢۷، من السورة ٥۰: ق.
- الآية ۱٦، من السورة ۷: الأعراف.
- الآية ٣٩، من السورة ۱٥: الحجر.
- الآية ۷٩، من السورة ۷: الأعراف.
