
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
126وساوس شيطانيّة أفكار لنفسه يوجدها هو في نفسه من غير أن يشعر بأحد سواه يُلقيها إليه أو يتسبّب إلى ذلك بشيء، كما في سائر أفكاره و آرائه التي لا تتعلّق بعمل غيره، كقولنا: الواحد نصف الاثنين، و الأربعة زوج، و أمثال ذلك.
فالإنسان هو الذي يوجِد هذه الأفكار و الأوهام في نفسه، كما أن الشيطان هو الذي يُلقيها إليه و يخطرها بباله من غير تزاحم، و لو كان تسبّبه فيها نظير التسبّبات الدائرة فيما بيننا لمن ألقى إلينا خبراً أو حكماً أو ما يشبه ذلك لكان إلقاؤه إلينا لا يُجامع استقلالنا في التفكير، و لانتفت نسبة الفعل الاختياريّ إلينا، لكون العلم و الترجيح و الإرادة له لا لنا، و لم يترتّب على الفعل لوم و لا ذمّ و لا غيره.
و قد نسبه الشيطان نفسه إلى الإنسان فيما حكاه الله من قوله يوم القيامة:
﴿وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾۱
العلّامة: تصرّف الشيطان في الإنسان يتمثّل في نظرته الاستقلاليّة
فنسب الفعل و الظلم و اللوم إليهم و سلبها عن نفسه، و نفى عن نفسه كلّ سلطان إلّا السلطان على الدعوة و الوعد الكاذب، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾٢
- الآية ٢٢، من السورة ۱٤: إبراهيم.
- الآية ٤٢، من السورة ۱٥: الحجر.
