
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
125﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾۱
فأخبر أنّه يتصرّف فيهم من جهة العواطف النفسانيّة من خوف و رجاء و امنية و أمل و شهوة و غضب، ثمّ في أفكارهم و إرادتهم المنبعثة منها.
كما يقارنه في المعنى قوله:
﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾٢
أي لُازيننّ لهم الامور الباطلة الرديئة الشوهاء بزخارف و زينات مهيّأة من تعلّق العواطف الداعية نحو اتّباعها، و لُاغوينّهم بذلك، كالزنا مثلًا الذي يتصورّه الإنسان، و تزيّنه في نظره الشهوة و يضعف بقوّتها ما يخطر بباله من المحذور في اقترافه، فيصدّق به فيقترفه.
و نظير ذلك قوله ﴿يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً﴾.٣
و قوله: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾٤
كلّ ذلك - كما ترى - يدلّ على أن ميدان عمله هو الإدراك الإنسانيّ، و وسيلة عمله العواطف و الإحساسات الداخليّة، فهو الذي يُلقي هذه الأوهام الكاذبة و الأفكار الباطلة في النفس الإنسانيّة، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾٥
لكن الإنسان مع ذلك لا يشكّ في أن هذه الأفكار و الأوهام المسمّاة
- الآيتان ۱٦ و ۱۷، من السورة ۷: الأعراف.
- الآية ٣٩، من السورة ۱٥: الحجر.
- الآية ۱٢۰، من السورة ٤: النساء.
- الآية ٦٣، من السورة ۱٦: النحل.
- الآيتان ٤ و ٥، من السورة ۱۱٤: الناس.
