
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
123فافهم ذلك و تذكّر قوله تعالى: ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾۱
و قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ، قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ، إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾٢
إذا تأمّلت في هاتين الجهتين ثمّ تدبّرت آيات قصّة السجدة وجدتها صورة منبّئة عن الروابط الواقعيّة التي بين النوع الإنسانيّ و الملائكة و إبليس قد عُبِّرَ عنها بالأمر و الامتثال و الاستكبار و الطرد و الرجم و السؤال و الجواب، و أن الإشكالات الموردة فيها ناشئة من التفريط في تدبّر القصّة، حتى أن بعض من تنبّه لوجه الصواب،٣ و أنّها تُشير إلى ما عليه طبائع الإنسان و الملك و الشيطان فقد ذكر أن الأمر و النهي - يُريد أمر إبليس بالسجدة و نهي آدم عن أكل الشجرة - تكوينيّان، فأفسد بذلك ما قد كان أصلحه، و ذهل عن أن الأمر و النهي التكوينيّين لا يقبلان التخلّف و المخالفة، و قد خالف إبليس الأمر و خالف آدم النهي.
الثالثة: أن دلالة قصّة الجنّة - على ما تقدّم تفصيل القول فيها في سورة البقرة - تُنَبِّئ عن أن الله سبحانه خلق جنّة برزخيّة سماويّة، و قد أدخل آدم فيها قبل أن يستقرّ على الحياة الأرضيّة، و يغشاه التكليف
- الآية ۱٦، من السورة ۷: الأعراف.
- الآيات ٣٩ إلى ٤٢: من السورة ۱٥: الحجر.
- صاحب «المنار» في الجزء الثامن من التفسير، تحت عنوان «الإشكالات في القصّة».
