
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
122﴿وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾۱
فلولا الشرّ و الفساد و التعب و الفقدان و النقص و الضعف و أمثالها في هذا العالم لما كان للخير و الصحّة و الراحة و الوجدان و الكمال و القوّة مصداق، و لا عُقل منها معنى لأنّا إنّما نأخذ المعاني من مصاديقها.
و لو لا الشقاء لم تكن سعادة، و لو لا المعصية لم تتحقّق طاعة، و لو لا القبح و الذنب لم توجد حُسن و لا مدح، و لو لا العقاب لم يحصل ثواب، و لو لا الدنيا لم تتكوّن آخرة.
فالطاعة مثلًا امتثال الأمر المولويّ، فلو لم يمكن عدم الامتثال - الذي هو المعصية - لكان الفعل ضروريّاً لازماً، و مع لزوم الفعل لا معنى للأمر المولويّ لامتناع تحصيل الحاصل، و معه عدم الأمر المولويّ لا مصداق للطاعة و لا مفهوم لها كما عرفت.
و مع بطلان الطاعة و المعصية يبطل المدح و الذم المتعلّق بهما و الثواب و العقاب و الوعد و الوعيد و الإنذار و التبشير، ثمّ الدين و الشريعة و الدعوة، ثمّ النبوّة و الرسالة، ثمّ المجتمع و المدنيّة، ثمّ الإنسانيّة، ثمّ كلّ شيء، و على هذا فقس جميع الامور المتقابلة في النظام، فافهم ذلك.
و من هنا ينكشف لك أن وجود الشيطان الداعي إلى الشرّ و المعصية من أركان نظام العالم الإنسانيّ الذي إنّما يجري على سُنّة الاختيار و يقصد سعادة النوع.
و هو كالحاشية المكتنفة بالصراط المستقيم الذي في طبع هذا النوع أن يسلكه كادحاً إلى ربّه ليلاقيه، و من المعلوم أن الصراط إنّما يتعيّن بمتنه صراطاً بالحاشية الخارجة عنه الحافّة به، فلولا الطرف لم يكن وسط،
- الآية ٥۰، من السورة ٥٤: القمر.
