
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
106الخبيثة)، و الثاني «سپنت مئنيو» (= الفكرة المقدّسة).
و مهما يكن من أمر فإنّ انگرهمئنيو، الموجود القبيح و الخبيث، يمتلك استقلاليّة في العمل. و كان الزردشتيّون يعتقدون و ما زالوا بأنّ الموجودات و المخلوقات في العالم تنقسم إلى مجموعتين: الخير و الشرّ؛ أو الخيرات المفروض وجودها و المفيدة لنظام العالم الكلّيّ و التي يُفتَرض بجميع البشر الاجتهاد و السعي لإنمائها و إكثارها، و الشرور التي تُعتَبر مُضرّة للعالم، و هذه لم يخلقها أهورا مزدا، بل هي نتاجات أهريمن، و على الناس جميعاً تقع مسؤوليّة محوها و إزالتها من العالم.
فهذه الشرور مخلوقات أهريمن سواء أ كان هو نفسه مخلوق أهورا مزدا أم لم يكن.
و على هذا، فإنّ ما يمكن استنباطه من الأوِسْتا هو أن أهريمن خالق الشرور و الظلمات و السيّئات، و بذلك يقع القسم القبيح و الخبيث من العالم هذا في قبضته. فهو إمّا أن يكون شريكاً لأهورامزدا في الذات و أصلًا قديماً أزليّاً. و إمّا أن يكون مخلوقه لكنّه شريك له في الخِلقة و التكوين. و أيّاً كان ذلك فإنّ (أي أهريمن) يمتلك استقلالًا وجوديّاً في العمل و الخَلق، و الخبير في الخَلْق و عالم التكوين و التدبير.
يقول القرآن الكريم أن الله خلق جميع الموجودات فأحسن تصويرها
لكنّ الأمر مختلف تماماً في نظريّة الإسلام. ففي إطار التفكير و العرفان الإسلاميّينِ جميع الموجودات في العالم خاضعة لمسألة الجمال و الخير و القبول و الحمد و الشكر و التمجيد و التحميد و المدح و الإطراء. فالخالق واحد و كلّ ما هو مخلوق بيده واحد كذلك. و ذلك هو منتهى الروعة و البهجة و النزاهة و الكمال و التمام و الإتقان.
﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَ
