
معرفة الله ج3
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
101بلاد الشرق هي تراث عظيم و قيّم وُلِد في أحضان نور الإسلام الوهّاج؛ لكن و ممّا يؤسَف له لم تسبر أعماق هذا التراث إلّا فئة قليلة و أشخاص معيّنون، و ما أكثر الظلم الذي لحق بهذا التراث من قِبل العابثين و الأعداء المتعصّبين.
و يعتقد البعض أن الحكمة الإلهيّة الإسلاميّة هي نفسها الفلسفة اليونانيّة القديمة، حيث دخلت الإسلام خِلسة. فأولئك قد وقعوا في خطأ جسيم مرتكبين و عن قصد أو بغير قصد، جناية عظيمة بحقّ الإسلام و المعارف الإسلاميّة.
فنحن نعتقد أن هذه الفكرة إنّما هي وليدة الاستعمار. فما بين الحكمة الإسلاميّة و الفلسفة اليونانيّة بون شاسع يشبه إلى حدّ كبير البون الموجود مثلًا بين الفيزياء عند أينشتَين و الفيزياء عند اليونان.
و هناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى أن حكمة ابن سينا كذلك لم تصل اوروبّا كاملة، إذ لا زال الاوروبّيّون يجهلون هذا التراث القيّم.
و كما ذكرنا في هوامش الجزء الثاني لـ «اصول الفلسفة و منهج الواقعيّة»۱ فإنّ مقولة ديكارت المعروفة: «أنا أفكّر إذاً أنا موجود»، و التي لقيت رواجاً كبيراً في الفلسفة الاوروبّيّة باعتبارها فكرة جديدة و إلماعة قيّمة، لم تكن غير كلمة جوفاء لا معنى لها. و قد نقلها ابن سينا في النمط الثالث في «الإشارات» في صراحة تامّة و وضوح كامل؛ ثمّ دحضها ببرهان محكم فلو كانت فلسفة ابن سينا تُرجِمَتْ إلى الأوروبّيّين بدقّة، ما كان كلام ديكارت ليكون أساساً للفلسفة الجديدة تحت عنوان «اكتشاف جديد» و «فكرة بِكر». لكن ما العمل و الحال أن كلّ شيء مختوم بختم اوروبّيّ
- طبعة سنة ۱٣٣٣ قمريّة شمسيّة (= ۱٩٥٤ ميلاديّة) - (التعليقة).
