أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
40لَجَعَلَهُ ساكِناً﴾، تنظير لشمول جهالة بني آدم و ضلالتهم و رفع الله تعالى ذلك برسالة الرسل و دعوتهم الحقّة كما يشاء هو. و يلزم أن يكون المراد من امتداد الظلّ، ذلك الظلّ الحادث الذي يصبح عارضاً بعد زوال الشمس ثمّ يتزايد شيئاً فشيئاً من جهة المغرب باتّجاه المشرق، بحسب اقتراب الشمس من الافق و ميزان ذلك؛ بحيث لو غربت كان بلغ مقدار امتداد الظلّ غايته، فيجنّ الليل.
و هذا الظلّ متحرّك في جميع حالاته و لو شاء الله لجعله ساكناً.
و قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾؛ دليل على وجود هذا الظلّ و الشمس وحدها بنورها هي التي يمكنها أن تدلّ على وجود ظلّ ما؛ و بانبساط ذلك النور و اتّساعه بالتدريج، تدلّ على تمدّد و انبساط الظلّ تدريجيّاً.
و لو لم تكن الشمس موجودة ما تنبّه أحد أصلًا لوجود الظلّ. و ذلك أن السبب العامّ و العلّة الكلّيّة لتمييز الإنسان بعض المعاني عن بعضها الآخر، هو تحوّل الأحوال المختلفة و اختلاف الحالات المتباينة التي تعرض له من فقدانها و وجدانها.
فالإنسان يتفقّد وجود الشيء الذي كان بحوزته إذا فقده؛ و لو عثر على الشيء الذي كان قد فقده عندها يتنبّه إلى غيابه. و لا يمكن تصوّر أمر ثابت لا يعتريه أيّ تغيّر و لا يشوبه أيّ تبدّل على الإطلاق.
و قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً﴾ معناه أنّنا نزيل ذلك الظلّ بشروق الشمس و ارتفاعها تدريجيّاً في الفضاء حتى ننسخه تماماً و نمحوه.
و قد استخدم تعالى لفظة «قبض» للتعبير عن معنى إزالة الظلّ و نسخه، و اجتذابه نحوه، و وصف القبض بالـ «يسير»؛ و كلّ ذلك يدلّ على كمال القدرة الإلهيّة، و أن لا شيء يعسر عليه، و أن فقدان الأشياء بعد وجودها

