أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۳
18و لو أنّه كُلّف بمثل هذا الأمر لاستحال عليه إدراك حقيقة تلك الصفة. و هذا أحد المعاني المذكورة في قوله عليه السلام: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ - انتهى كلام بعض المحقّقين.
اعلم أن للمعرفة التي يمكن لعقول البشر الوصول إليها مراتب متخالفة و درجات متفاوتة و متباينة.
قال المحقّق الطوسيّ طاب ثراه في بعض مصنّفاته:
إن مراتب تلك المعرفة هي بمثابة المراتب التي للنار.۱
لأنّ أدنى تلك المراتب هي أن يسمع أحدهم أن في عالَم الوجود يوجد شيء يُفني كلّ شيء يُواجهه، و يَترك آثاره على أيّ شيءٍ يكون في مقابله و بمحاذاته، و لا يصيبه النقص أو النقصان على الإطلاق مهما اخِذَ أو اقتُبِسَ منه؛ و يسمّون ذلك الموجود بالنار. و نظير هذه المرتبة هي مرتبة
- جاء في «روضات الجنّات» ج ٣، ص ۱۸٤، طبعة بيروت: «رأيت في تأريخ حمد الله المستوفيّ أن أبا عليّ ابن سينا و أبا سعيد التقيا في محلّة، فلمّا افترقا سُئل كلّ منهما عن أحوال الآخر. فقال الشيخ أبو سعيد: ما أنا أراه هو يعلمه. و قال الشيخ أبو عليّ ابن سينا: ما أعلمه هو يراه».
يقول صاحب «الروضات» هنا: يُشير كلام هذين العالمين إلى درجات علم اليقين و عين اليقين و حقّ اليقين، و بعبارة أخرى: يقين الخبر و يقين الدلالة و يقين المشاهدة، اي: المكاشفة في الإخبار و المكاشفة في إظهار القدرة و مكاشفة القلوب بحقائق الإيمان. و تُشير كلّ لفظة من هذه الألفاظ الثلاثة (العلم و العين و الحقّ) إلى معنى اليقين نفسه، مع هذا الفارق في أنّهم يعتبرون علم اليقين هو كلّ ما يتأتّى بشرط البرهان. و أن عين اليقين هو عبارة عن كلّ ما يتأتّى عن طريق شرط البيان و أن حقّ اليقين هو عبارة عن كلّ ما يتأتّى بصفة العيان. و ضربوا لذلك مثلًا و هو أنّهم يفهمون حقيقة معنى النار من خلال وصف الآخرين لها أو رؤيتهم لها عياناً أو بواسطة تأثيرها في وجودهم. و على هذا يختصّ علم اليقين بالعقلاء و عين اليقين بالعلماء، و حقّ اليقين بالعرفاء.
- جاء في «روضات الجنّات» ج ٣، ص ۱۸٤، طبعة بيروت: «رأيت في تأريخ حمد الله المستوفيّ أن أبا عليّ ابن سينا و أبا سعيد التقيا في محلّة، فلمّا افترقا سُئل كلّ منهما عن أحوال الآخر. فقال الشيخ أبو سعيد: ما أنا أراه هو يعلمه. و قال الشيخ أبو عليّ ابن سينا: ما أعلمه هو يراه».

