أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
29يَتَّجَلَّي لَهُمْ.
قَوْلُهُ: «تَجَلَّى لِعِبَادِهِ» أيْ أظْهَرَ ذَاتَهُ في مِرْآةِ كُلِّ شَيءٍ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أن يرى رُؤْيَةَ عَيَانٍ، مِنْ غَيْرِ أن رَأوْهُ بِهَذَا التَّجَلِّي رُؤْيَةَ عَيَانٍ، لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالأشْيَاءِ مِنْ حَيْثُ مَظْهَريَّتِهَا لَهُ وَ أنَّهَا عَيْنُ ذَاتِهِ الظَّاهِرَةِ فِيهَا.
«وَ أرَاهُمْ نَفْسَهُ» أيْ أظْهَرَهَا لَهُمْ في آيَاتِ الآفَاقِ وَ الأنْفُسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا شَوَاهِدُ ظَاهِرَةٌ لَهُ، وَ دَلَائِلُ بَاهِرَةٌ عَلَيْهِ؛ فَرَأوْهُ رُؤْيَةَ عِلْمٍ وَ عِرْفَانٍ.
«مِنْ غَيْرِ أن يتجلى لَهُمْ» أيْ مِنْ غَيْرِ أن يُظْهِرَ ذاتَهُ فِيهَا عَيَاناً بِحَيْثُ يَعْرِفُونَ أنَّهَا مَظَاهِرُ لَهُ، وَ مَرَايَا لِذَاتِهِ وَ أنَّهُ الظَّاهِرُ فِيهَا بِذَاتِهِ.
و ذكر المرحوم الفيض هنا بعضاً من دعاء ابن عطاء الإسكندريّ، الذي ذكرناه في الجزء الأوّل في البحثين التاسع و العاشر بإسناده إلى الإمام سيّد الشهداء الحسين بن على صلوات الله و سلامه عليه. ثمّ قال:
وَ رَوَي الشَّيْخُ الصَّدُوقُ مُحَمَّدُ بْنُ بَابَوَيْهِ القُمِّيّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ في كِتَابِ «التَّوْحِيدِ» بِإسْنَادِهِ عَنْ أبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لأبِي عبد الله عَلَيْهِ السَّلَامُ: أخْبِرْنِي عَنِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ، هَلْ يَرَاهُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!
قَالَ: نَعَمْ، وَ قَدْ رَأوْهُ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ!
فَقُلْتُ: مَتَى؟!
قَالَ: حِينَ قَالَ لَهُمْ: ﴿أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾!
ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ:
وَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيَرَوْنَهُ في الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ. أ لَسْتَ تَرَاهُ في وَقْتِكَ هَذَا؟!
قَالَ أبُو بَصِيرٍ: فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! أ فَاحَدِّثُ بِهَذَا عَنْكَ؟!
فَقَالَ: لَا! فَإنَّكَ إذَا حَدَّثْتَ بِهِ، فَأنْكَرَهُ مُنْكِرٌ جَاهِلٌ بمعنى مَا تَقُولُ، ثُمَّ قَدَّرَ أنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ؛ كَفَرَ. وَ لَيْسَتِ الرُّؤْيَةُ بِالقَلْبِ كَالرُّؤْيَةِ بِالعَيْنِ؛ تعالى

