أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
20كمن يحلم بسعلاة ظنّاً منه أنّها حوريّة فيجامعها و يريق نطفته الثمينة فيها و إذا به يستيقظ من النوم فيتعجّب ممّا كان يعشق! فقد كانت تلك سعلاة على صورة و هيئة حوريّة فأراد أن يولد من ذلك الموجود الملكوتيّ و الروحانيّ نسلًا طاهراً فواقعها و خسر نطفته و رأس ماله الغالي، و أسفاً لأنّه بذر بذوره في أرض بور فلم يحصل على ثمرة و لا فائدة، بل ألمّ به الضعف و طرأ عليه الوهن و أصابه الصداع و تدنّس بدنه و تنجّس.
أو كالصيّاد الذي طارد صيداً في الهواء و طائراً في السماء بقوسه و سهامه لكنّه بدل أن يصوّب عينيه نحو الأعلى و يصيد بسهمه الطائر الحقيقيّ و يهنأ بأكله، فقد كان ينظر إلى الأرض و يصوّب سهمه إلى ظلّ الطائر الذي يتحرّك على الأرض بدل أن يصوّبه إلى نفس الطائر.
فهذا الصيّاد كان يصوّب سهمه إلى الظلّ، و لهذا السبب لم يستطع بلوغ هدفه و لا اصطياد ما اشتهى. فكان الظلّ الذي يشبه الطائر يتحرّك إلى الأمام باستمرار، و كان الصيّاد يطلق السهم تلو الآخر على ظلّه حتى أتى على كلّ سهامه؛ و لم يستطع رغم ذلك اصطياد الطائر، فتبيّن له أنّ الظلّ إنّما كان باطلًا و ليست له حقيقة الطائر أو واقعيّته؛ فضاع عمره و انتهي زمانه و عليه أن يهيّئ نفسه للهلاك في آخر النهار، و ذلك بسبب الجوع و الظمأ و التعب و الإرهاق و المشاكل التي واجهته أثناء عمليّة الصيد و ملاحقته للفريسة و عدم حصوله عليها.
إن الله هو الحقّ، و ما دونه الباطل؛ ﴿فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.۱
فلا خيار ثالث بين الحقّ و الباطل.
- الآية ٣٢، من السورة ۱۰: يونس.

