أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
16و هو مثال السراب، فإنّ الظمآن حين ينظر إلى السراب في الصحراء يحسبه ماءً، فيمضي نحوه مسرعاً، إلّا أنّ السراب يبتعد عنه كلّما دنا منه، ذلك أنّ شرط رؤية السراب هو وجود مسافة معيّنة بين عين الناظر و ذلك السراب، فكلّما اقترب الناظر ابتعد السراب بنفس المسافة. و خلاصة القول فإذا افترضنا أنّ الصحراء واسعة جدّا، فلو سار الناظر وراء السراب من الصباح حتى المساء في بحثه عن الماء لظلّ السراب على نفس البعد عن الناظر، و استمرّ تلألؤ و لمعان شعاع الشمس المنعكس عن الرمال، و الذي يتسبّب بظهور هذا السراب، و لقضى الظمآن نهاره كلّه في ذلك عطشاناً حتى تخور قواه، و يلفظ أنفاسه.
و أعجب من ذلك مشهد البستان ذي الأشجار العالية الذي نراه في بعض الصحاري و الفلوات، التي لا تحمل إلّا أشواكاً كصحراء الجزيرة العربيّة المحرقة التي تغطّيها أشواك الغيلان، إذ تبدو كأشجار باسقة عن بعيد، و ذلك بانعكاس ضوء الشمس عليها فيحسبها الناظر إليها بستاناً نضرة فيسعى جاهداً للوصول إليها، فإذا به لا يرى إلّا أشواكاً.
فأمّا في المثال الثاني، بما أنّ النور هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة اي علم أو حياة، فلولا وجود النور لكان العالم عدم مطلق، فالإنسان يحتاج إلى نور عود الثقاب في الليلة المظلمة، فبدونه، يتعثّر في الظلام، و يهوي ساقطاً في حفرة، أو يغوص في الطين، أو قد يسقط من مرتفع، و يقع في شَرَك حيوان مفترس، أو بِيَد عدوٍّ لدود، و هلمّ جرّاً.
فتأمّل في مدى فائدة هذا النور الضئيل له!
فما بالك في الأشدّ و هجاً، و كذا في الأنوار الأخلاقيّة و الصفاتيّة، و كذلك، الأنوار العقلانيّة و الذاتيّة، التي لو فقد الإنسان إحداها، لصار كالأعمى، فهو أعمى برغم امتلاكه لعينين، فالعين تُبصر بالنور الحِسّيّ،

