أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
14يفكّرون به، و إلّا لما انتهجوا هذا الطريق المعوجّ و المنحرف.
و قد ذكر أعلام و أساطين الأدب أنّه لو وُضع حرف لو في بداية الجملة الشرطيّة، لأفاد تعليق الجملة الجزائيّة بالجملة الشرطيّة في مقام الإثبات، و كذلك امتناع تحقّق الجملة الشرطيّة، فمثلًا لو قيل لَوْ جَاءَ زَيْدٌ لأكْرَمْتُكَ، فهذه الجملة تفيد أوّلًا: في حال مجيء زيد يتحقّق الإكرام، و ثانياً، تفيد أنّ زيداً لم يحضر بعد.
على العكس من (إن) الشرطيّة، و التي تفيد الثبوت عند الثبوت، و النفي عند النفي، فمثلًا لو قيل أن جَاءَ زَيْدٌ لأكْرَمْتُكَ، فإنّها تفيد ثبوت الإكرام عند مجيء زيد و عدم الإكرام عند عدم مجيئه، و من ناحية أخرى، فلا تفيد أنّ زيداً قد جاء فتمّ الإكرام، أو أنّه لم يأت، فلم يتحقّق، فمفادها التعليق و حسب، و أمّا في حالة استخدام لو، ففي هذه الحال يتمّ الإشارة إلى تعليق الثبوت عند الثبوت، و لا دخل لها بالنفي عند النفي، إلّا أنّها تفيد أنّ زيد لم يأت بعد، و أنّ الجملة الشرطيّة لم تتحقّق، بل كانت ممتنعة الصدور.
و في الآية، موضوع البحث، يقول الله سبحانه و تعالى: ﴿إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، و لكنّهم لا يعلمون، و أنّ علمهم بذلك ممتنع التحقّق و عديم الصدور.
و يفيد هذا الأمر، على أنّ هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله و لقائه، و الذين اتّخذوا أولياء من دونه تعالى، لا عقل لهم و لا علم.
و استطراداً للآية السابقة يقول سبحانه و تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ثمّ يقول تعالى بعد ذلك: «و تلك الأمثال (أيّها النبيّ) نضربها للناس و ما يعقلها إلّا العالمون». و يستفاد من ذلك أيضاً أنّ مسألة اتّخاذ الولاية الإلهيّة هي متعلّقة بدرك الخاصّة من

