أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
7تحرق كلّ الحسنات، و أحد هذه المواضع، هو موضع الشرك بالله، و إنكار آياته و لقائه، فلا يبقى لهؤلاء عمل يُرجى و لا يُقام لهم وزنٌ، حيث أنّ للعمل الصالح وزن و ثِقل، و العمل السيّئ أجوف، و هو هباء منثور.
و كما بيّن استاذنا العلّامة، فإنّ هاتين الآيتين هما في تبيان حال منكري الرسل و يوم المعاد، حيث يتحقّق اللقاء بالله، و لكن في هذه الآية، اقترنَ إنكار المعاد مع مسألة الكفر بلِقاء الله، و يستفاد من ذلك أنّه مع كون معنى لقاء الله قد ورد في هذه الآية بصفة عامّة، و أنّ جريان المعاني القرآنيّة هو جريان الشمس و القمر، فإنّ كل من يكفر بآيات الله و لقائه، بأيّ شكل أو صورة كانت. فهو ينضوي تحت حكم هذه الآية، و سيشمله حبط العمل و عدم إقامة وزن له.
و قد جاء بيان و وصف المنكرين لله و للقائه بعبارات بليغة و أمثلة محيّرة و مضامين فلسفيّة و برهانيّة عجيبة و إيراد شواهد واقعيّة و عرفانيّة، و هذا البيان كان واضحاً لدرجة تزيد في إيمان المؤمنين و في كفر الكافرين على حدّ سواء.
النكات البليغة الواردة في الآية بياناً لمراميها
انظر إلى هذه الآيات الأخيرة، كيف تقوم بإيصال هذه الحقيقة بلهجة و خطاب يقرعان القلوب و باسلوب أدبيّ رفيع، و فصاحة و بلاغة شديدتين.
أوّلًا: فهو يأمر نبيّه بكلمة قل ليقوم بإبلاغ هذا الأمر الخطير بهذه الكيفيّة.
ثانياً: بكلمة الاستفهام هل و كأنّ خطورة و ثِقَل هذا الأمر هي من الجدّيّة بحيث أنّ تفهيمه للمخاطب يحتاج إلى إذن للشروع فيه.
ثالثاً: اختيار ننبئكم بصيغة الجمع من لدن مقام العزّة الإلهيّة، و استعمال إنباء بدلًا من ألفاظ الإخبار و الإعلام المستعملة في الصياغة

