أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
5الحقّ و منادي الفطرة؛ قال تعالى: ﴿وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾؛۱ و قال: ﴿وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾.٢ فاتّباعهم هوى أنفسهم و مضيّهم على ما هم عليه من الإعراض عن الحقّ عناداً و استكباراً و الانغمار في شهوات النفس ليس إلّا رضى منهم بما هم عليه و استحساناً منهم لصنعهم.
و أمّا بشأن تفسير الآية: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ﴾، فيقول:
تعريف ثان و تفسير بعد تفسير ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا﴾، و المراد بالآيات - على ما يقتضيه إطلاق الكلمة - آياته تعالى في الآفاق و الأنفس و ما يأتي به الأنبياء و الرسل من المعجزات لتأييد رسالتهم، فالكفر بالآيات كفر بالنبوّة، على أن النبيّ نفسه من الآيات، و المراد بلقاء الله الرجوع إليه و هو المعاد.
فأل تعريف ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا﴾ إلى أنّهم المنكرون للنبوّة و المعاد، و هذا من خواصّ الوثنيّين.
تفسير العلّامة؛ إنكار لقاء الله يسبّب حبط أعمال المنكرين
قوله تعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾، وجه حبط أعمالهم أنّهم لا يعملون عملًا لوجه الله و لا يريدون ثواب الدار الآخرة و سعادة حياتها و لا أنّ الباعث لهم على العمل ذكر يوم الحساب، و قد مرّ كلام في الحبط في مباحث الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
و قوله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ تفريع على حبط أعمالهم
- الآية ۱٤، من السورة ٢۷: النمل.
- الآية ٢۰٦، من السورة ٢: البقرة.

