أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
4سعيهم في الحياة الدنيا، و ضلال السعي خسران، ثمّ عقّبه بقوله: ﴿وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ و بذلك تمّ كونهم أخسرين.
بيان ذلك: أنّ الخسران و الخسار في المكاسب و المساعي المأخوذة لغاية الاسترباح إنّما يتحقّق إذا لم يُصب الكسب و السعي غرضه و انتهى إلى نقص في رأس المال أو ضيعة السعى و هو المعبّر عنه في الآية بضلال السعي، كأنّه ضلّ الطريق فانتهى به السير إلى خلاف غرضه. و الإنسان ربّما يخسر في كسبه و سعيه لعدم تدرّب في العمل أو جهل بالطريق أو لعوامل اخر اتّفاقيّة و هي خسران يرجى زواله، فإنّ المرجو أن يتنبّه به صاحبه ثمّ يستأنف العمل فيتدارك ما ضاع منه و يقضي ما فات، و ربّما يخسر و هو يذعن بأنّه يربح، و يتضرّر و هو يعتقد أنّه ينتفع لا يرى غير ذلك، و هو أشدّ الخسران لا رجاء لزواله.
ثمّ الإنسان في حياته الدنيا لا شأن له إلّا السعي لسعادته و لا همّ له فيما وراء ذلك، فإن ركب طريق الحقّ و أصاب الغرض و هو حقّ السعادة فهو، و إن أخطأ الطريق و هو لا يعلم بخطأه فهو خاسر سعياً لكنّه مرجوّ النجاة، و إن أخطأ الطريق و أصاب غير الحقّ و سكن إليه فصار كلما لاح له لائح من الحقّ ضربت عليه نفسه بحجاب الإعراض و زيّنت له ما هو فيه من الاستكبار و عصبيّة الجاهليّة، فهو أخسر عملًا و أخيب سعياً، لأنّه خسران لا يُرجى زواله و لا مطمع في أن يتبدّل يوماً سعادة، و هو قوله تعالى في تفسير الأخسرين أعمالًا: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾.
و حسبانهم عملهم حسناً مع ظهور الحقّ و تبيّن بطلان أعمالهم لهم إنّما هو من جهة انجذاب نفوسهم إلى زينات الدنيا و زخارفها و انغمارهم في الشهوات، فيحبسهم ذلك عن الميل إلى اتّباع الحقّ و الإصغاء إلى داعي

