أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
36الأسماء و الصفات الإلهيّة، و تجلّي مراتب الذات و أسماء و صفات الحقّ تعالى بالقدر الذي تكون معه ممكنة بالنسبة إلى الممكن. و بعبارة أخرى، أنّ الحجب الظلمانيّة و النورانيّة إذا انكشفت للعبد، فإنّه سيعثر حينها على المعرفة بذات الحقّ تعالى، و أسمائه و صفاته، و هذه المعرفة، هي غير تلك التي كانت قبل مرحلة الكشف.
و بعبارة أخرى، فإنّ أنوار الجمال و الجلال الإلهيّة تتجلّى في قلب و عقل و سرّ خواصّ أولياء الله، لدرجةٍ يفنون معها عن ذاتهم، و يخلدون بذات الله، و يصيّرهم في جماله هو، و تسبح عقولهم في بحر معرفة الله، فيقوم بتدبير امورهم بدلًا من عقولهم. و بعد طيّ كلّ مراحل سُبُحات الجلال و تجلّي أنوار الجمال و الفناء بالله و البقاء به، تكون محصّلة هذه المعرفة أن يرى العبد عجزه عن الوصول لِكُنْهِ معرفة الذات الإلهيّة بالكشف و العيان.
نعم، فهذا عجز عن المعرفة، و سائر الناس عاجزون عن المعرفة بدورهم، و لكن أين هذا من ذاك، فالجماد أيضاً عاجز عن المعرفة، و كذلك الإنسان. فلا جرم أنّ تباين مراتب عجز أعلم خلق الله محمّد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلّم، أكبر، بالمقارنة مع سائر الناس، بل مع علماء الامّة من عجز الجماد أو الإنسان.
و إجمالًا، فإنّ طائفة من المتكلّمين من العلماء الأعلام هم على رأي الطائفة الاولى، مستدلّين بظواهر بعض الروايات و تأويل الآيات و الروايات و الأدعية الواردة في ذلك.۱
- لقد كانت للمؤلّف، هنا، حاشية و هي: «و هذا المذاق هو صريح كلمات الشيخ الأحسائيّ و تابعيه؛ إلّا أنّهم يُؤَوِّلون أخبار اللقاء و المعرفة على وجه ثانٍ كما سيأتي،

