أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
22وَ إن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ
و تشير آية أخرى إلى مثال منطقيّ محيّر:
﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ﴾.۱
فيا له من مثال عجيب ذلك الذي يصوّر خلق ذبابة، و أبسط منه، سلب الذباب لشيء ما و فراره، و العجز عن استنقاذه منه، و هذا الذباب قد يكون مخلوقاً حقيراً في نظر العامّة، لهذا ضُربَ به المثل، و هو مثال صادق و مشهود في كلّ ذرّة من ذرّات الوجود.
و من هنا يعتبر الله عزّ و جلّ أساس علم اولئك - الذين يفضّلون الحياة المادّيّة و الشهوانيّة و يجعلونها هدفهم الأسمى و لا يرون ما دون ذلك - واهٍ لا قيمة له. و قد عزلهم عن صفّ العلماء و العقلاء بقوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، و وضعهم في زمرة الضالّين الذين لا يرون شيئاً أسمى من الحياة الاعتباريّة في النشأة الطبيعيّة: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾.٢
و الحقّ أنّه يجب التدقيق في عبارة ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ حيث أنّ جميع علماء المادّيّة و الطبيعة، و الشيوعيّين و المادّيّين، و علماء العلوم التطبيقيّة و العلماء المسلمين و علماء سائر الأديان الذين لا تهديهم علومهم إلى الله تعالى، و الذين ركضوا وراء المصطلحات و المعادلات، و فرحوا بسلامهم و صلواتهم و هتافاتهم، و بكراسي الحكم و الجوائز و الأوسمة
- الآية ۷٣، من السورة ٢٢: الحجّ.
- الآيتان ٢٩ و ٣۰، من السورة ٥٣: النجم.

