أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
17و أمّا العقل و الشهود، فيُبصران بالنور العقلانيّ و الشهوديّ.
الكفّار غارقون في ظلمات ثلاث: الخيال و الوهم، و العقل، و الذات
إن المنكر للّه و لقائه، و الذي يرتكب كلّ ما يخالف السنن الأوّليّة و الاصول الفطريّة، أعمى يغوص في طبقات الظلمات، و يتيه في لجج المياه المضطربة لهوى النفس و التبعيّة للشيطان و النفس الأمّارة بالسوء و ظلماتها العجيبة، فلا بصيص نور يُرجى. فقد ورد في القرآن الكريم: أنّ هذا النوع من الكفّار، غارق في ظلمات ثلاث:
الاولي: ظلمة تشبه الليل. و الثانية: ظلمة فوق الظلمة الاولى، كظلمة موج البحر العميق. و الثالثة: ظلمة أخرى، و هي ظلمة الغيوم السوداء التي تغطّي وجه السماء.
فحلكة هذه الظلمات هي من الشدّة، بحيث إنّه لا يرى شيئاً مطلقاً، حتى يده، فهؤلاء الكافرون لا يهتدون بنور شرعيّ، و لا نور عقليّ و لا شهوديّ، و يسبحون في أعماق طبقات الظلمة و الخيال و الوهم، بعيداً عن نور العقل و الذات، ﴿وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، و العياذ بالله.
تمثيل الملّا الروميّ مضاجعة السعلاة و صيد الصيّاد لظلّ الطائر
فما أروع تصوير الحكيم مولوي لهذا الضياع و الابتعاد عن طريق الحقّ، حيث يقول:
چون به حقّ بيدار نبود جان ما *** هست بيدارى چو در بندان ما جان همه روز از لگدكوب خيال *** و ز زيان و سود و از خوف زوال۱ - يقول: «أن روحنا ليست يقظة بالحقّ، لذا أضحت صحوتنا كالسجن.
فالروح تتلقّي الرفسات يومياً من الخيال و من خوف الزوال و حساب الربح و الخسارة».
- يقول: «أن روحنا ليست يقظة بالحقّ، لذا أضحت صحوتنا كالسجن.

