
معرفة الله ج2
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
61كَأسٌ مِنْ مَاءِ الكَوْثَرِ وَ كَأسٌ مِنَ الخَمْرِ يَسْقُونَ رُوحَهُ حتى يَذْهَبَ سَكْرَتُهُ وَ مَرَارَتُهُ وَ يُبَشِّرُونَهُ بِالبِشَارَةِ العُظْمَى، وَ يَقُولُونَ: طِبْتَ وَ طَابَ مَثْوَاكَ! إنَّكَ تَقْدِمُ عَلَى العَزِيزِ الكَرِيمِ الحَبِيبِ القَرِيبِ!
فَيَطِيرُ الرُّوحُ مِنْ أيْدِي المَلَائِكَةِ فَيَسْرَعُ إلى اللهِ في أسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ؛ فَلَا يَبْقَى حِجَابٌ وَ لَا سِتْرٌ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ اللهِ تعالى. وَ اللهُ تعالى إلَيْهَا لَمُشْتَاقٌ. فَتَجْلِسُ عَلَى عَيْنٍ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهَا: أيَّتُهَا الرُّوحُ! كَيْفَ تَرَكْتِ الدُّنْيَا؟!
فَتَقُولُ: إلَهِي وَ سَيِّدِي! وَ عِزَّتِكَ وَ جَلَالِكَ لَا عِلْمَ لي بِالدُّنْيَا! أنَا مُنْذُ خَلَقْتَنِي إلى هَذِهِ الغَايَةِ خَائِفٌ مِنْكَ!
فَيَقُولُ اللهُ: صَدَقْتَ! كُنْتَ بِجَسَدِكَ في الدُّنْيَا وَ بِرُوحِكَ مَعِي! فَأنْتَ بِعَيْنِي أعْلَمُ سِرَّكَ وَ عَلَانِيَتَكَ! سَلْ اعْطِكَ وَ تَمَنَّ على فَاكْرِمْكَ!
هَذِهِ جَنَّتِي فَتَبَحْبَحْ فِيهَا، وَ هَذَا جِوَارِي فَاسْكُنْهُ!
فَتَقُولُ الرُّوحُ: إلَهِي عَرَّفْتَنِي نَفْسَكَ فَاسْتَغْنَيْتُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ! وَ عِزَّتِكَ وَ جَلَالِكَ لَوْ كَانَ رِضَاكَ في أن اقَطَّعَ إرْباً إرْباً أوْ اقْتَلَ سَبْعِينَ قَتْلَةً بِأشَدِّ مَا يُقْتَلُ بِهِ النَّاسُ لَكَانَ رِضَاكَ أحَبَّ إلى - إلى أن قال:
قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا أحْجُبُ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ في وَقْتٍ مِنَ الأوْقَاتِ حتى تَدْخُلَ على اي وَقْتٍ شِئْتَ وَ كَذَلِكَ أفْعَلُ بِأحِبَّائِي!
و يقول في تفسير الحياة الباقية بعد ذلك: و سأفعل كذا و كذا بصاحبها. إلى أن يقول:
وَ أفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ وَ سَمْعَهُ حتى يَسْمَعَ بِقَلْبِهِ مِنِّي وَ يَنْظُرَ بِقَلْبِهِ إلى عَظَمَتِي وَ جَلَالِي.
و يقول أيضاً في هذا الحديث:
أنَّ أدْنَى مَا اعْطِي الزَّاهِدِينَ في الآخِرَةِ أن اعْطِيَهُمْ مَفَاتِيحَ الجِنَانِ
