
معرفة الله ج2
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
60المَعْرِفَةَ؛ وَ يُورِثُ المَعْرِفَةُ اليَقِينَ. وَ إذَا اسْتَيْقَنَ العَبْدُ لَا يُبَالِي كَيْفَ أصْبَحَ بِعُسْرٍ أمْ بِيُسْرٍ. فَهَذَا مَقَامُ الرَّاضِينَ!
فَمَنْ عَمِلَ رِضَايَ الْزِمُهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: اعَرِّفُهُ شُكْراً لَا يُخَالِطُهُ الجَهْلُ، وَ ذُكْراً لَا يُخَالِطُهُ النِّسْيَانُ، وَ مَحَبَّةً لَا يُؤْثِرُ عَلَى مَحَبَّتِي مَحَبَّةَ المَخْلُوقِينَ!
فَإذَا أحَبَّنِي أحْبَبْتُهُ وَ حَبَّبْتُهُ إلى خَلْقِي وَ أفْتَحُ عَيْنَ قَلْبِهِ إلى عَظَمَتِي وَ جَلَالِي! فَلَا اخْفِي عَلَيْهِ عِلْمَ خَاصَّةِ خَلْقِي!
فَانَاجِيهِ في ظُلَمِ اللَيْلِ وَ ضَوْءِ النَّهَارِ حتى يَنْقَطِعَ حَدِيثُهُ مَعَ المَخْلُوقِينَ وَ مُجَالَسَتُهُ مَعَهُمْ وَ اسْمِعُهُ كَلَامِي وَ كَلَامَ مَلَائِكَتِي وَ اعَرِّفُهُ سِرِّيَ الذي سَتَرْتُهُ مِنْ خَلْقِي - إلى أن قال:
ثُمَّ أرْفَعُ الحُجُبَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ فَانَعِّمُهُ بِكَلَامِي وَ الَذِّذُهُ بِالنَّظَرِ إلى - إلى أن قال:
وَ لأجْعَلَنَّ مُلْكَ هَذَا العَبْدِ فَوْقَ مَلِكِ المُلُوكِ حتى يَتَضَعْضَعَ لَهُ كُلُّ مَلِكٍ وَ يَهَابَهُ كُلُّ سُلْطَانٍ جَائِرٍ وَ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَ يَتَمَسَّحَ لَهُ كُلُّ سَبُعٍ ضَارٍّ، وَ لُاشَوِّقَنَّ إليه الجَنَّةَ وَ مَا فِيهَا، وَ لأسْتَغْرِقَنَّ عَقْلَهُ بِمَعْرِفَتِي، وَ لأقُومَنَّ لَهُ مَقَامَ عَقْلِهِ، ثُمَّ لُاهَوِّنَنَّ عَلَيْهِ المَوْتَ وَ سَكَرَاتِهِ وَ حَرَارَتَهُ وَ فَزَعَهُ حتى يُسَاقَ إلى الجَنَّةِ شَوْقاً.
وَ إذَا نَزَلَ بِهِ مَلَكُ المَوْتِ يَقُولُ: مَرْحَباً بِكَ! فَطُوبَى لَكَ! طُوبَى لَكَ! أنَّ اللهَ إلَيْكَ لَمُشْتَاقٌ!
اعْلَمْ يَا وَلِيّ اللهِ! أنَّ الأبْوَابَ التي كَانَ يَصْعَدُ مِنْهَا عَمَلُكَ تَبْكِي عَلَيْكَ! وَ أنَّ مِحْرَابَكَ وَ مُصَلَّاكَ يَبْكِيَانِ عَلَيْكَ!
فَيَقُولُ: أنَا رَاضٍ بِرِضْوَانِ اللهِ وَ كَرَامَتِهِ؛ وَ يَخْرُجُ الرُّوحُ مِنْ بَدَنِهِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ. وَ أنَّ المَلَائِكَةَ تَقُومُ عِنْدَ رَأسِهِ، بِيَدَيْ كُلِّ مَلَكٍ
