
معرفة الله ج2
37٬056
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
الحصول على الكتاب من سراي جاويد
معرفة الله ج۲
56...۱
ظهور روح حجب الروح الإنسانيّة بواسطة تعلّقها بالبدن
- (...تتمة الهامش من صفحة السابقة)
وَ ظُلْمَةٍ.
اعلم أنّهم لمّا كانوا قد نسبوا الروح الإنسانيّة إلى عالم القالب و الظلمة بعد قربها من الحقّ عزّ و جلّ، و أمرّوها من خلال سبعين ألف عالم، و أرفقوها زبدة و خلاصة كلّ عالم من تلك العوالم، حتى صارت بالقالب الذي هو عليه متلبّسة بسبعين ألف حجاب نورانيّ و ظلمانيّ، أمّا الحجب النورانيّة فمنشؤها العالم الروحانيّ، و أمّا الحجب الظلمانيّة، فمنشؤها العالم الجسمانيّ.
فالتفاتها إلى اي شيء في اي من تلك العوالم، و إن كان قد جعلت منها وسيلة للكمال، إلّا أنّها مقارنة مع حال اي منها، إلّا أنّ الروح قد صيّرت كلّ التفاتة حجاباً لها؛ و بسبب تلك الحجب، قد حرمت من رؤية الملكوت، و مشاهدة جمال اللاهوت، و من لذّة التحدّث إلى الحقّ تعالى شأنه، أو التشرّف بقربه و الحظوة بكرامته، فبذلك هوت من قرب أعلى عليّين إلى طبيعة أسفل سافلين.
مع أن الروح كانت تحظى و لآلاف من السنين بشرف القرب في خلوة خاصّة مباشرة من الحقّ تعالى لكنّ الحجب أنستها تلك الحالة تماماً في هذه الأيّام المعدودة، و متى أرادت أن تتذكّر حالتها تلك، لم تسعفها الذاكرة في ذلك، فها هي قد ابتليت بآفة الحُجب، إذ لم تكن نسّاءة كما هي الحال بها الآن، و ما استبدلت إقبال الانس عليها بإدبار الوحشة. و ما كانت لتُدعى بالإنسان إلّا لسابق انسها بالحقّ تعالى جلّت عظمته.
و لهذا، فحينما يخبر الله عزّ شأنه عن زمان سابق لوجود الآدميّ، فهو يُطلق عليه اسم الإنسان، كقوله تعالى:
﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾.
فلمّا التحق بهذا العالم و نسي ذلك القرب و الانس، حينئذٍ أطلق عليه اسماً آخر يناسبه، حيث قال:﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾
و من هنا قال للرسول صلى الله عليه و آله و سلّم:﴿وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. اي ذكّر هذا الجمع الذي شُغِل بالدنيا بأيّامٍ كان في حضرته تعالى و في مقعد صدق عند مليك مقتدر، علّ نوازع الشوق تعتمل في قلوبهم إلى جنابه تعالى فيحزموا أمتعتهم مرّة أخرى شوقاً إلى أصله و حنيناً إلى موطنه الحقيقيّ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾،. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
فإذا هاجت في القلب محبّة ذلك الموطن الأصليّ، فهو عين الإيمان، حيث إنّ:
(تابع الهامش في الصفحة التالية...)
- (...تتمة الهامش من صفحة السابقة)
/
