
معرفة الله ج2
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
53وَ المَعْرِفَةُ أصْلٌ وَ فَرْعُهُ الإيمَانُ.۱
و روى في «الكافي» و «التوحيد» عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: أنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ لأشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا.
و جاء في حديث قدسيّ متّفق عليه بين جميع أهل الإسلام، أنّه قال:
مَا يَتَقَرَّبُ إلى عَبْدِي بِشَيءٍ أحَبَّ إلى مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ. وَ إنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلى بِالنَّوَافِلِ حتى احِبَّهُ، فَإذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الذي يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ التي يَبْطِشُ بِهَا.
إن دَعَانِي أجَبْتُهُ وَ أن سَألَنِي أعْطَيْتُهُ.٢
و يقول الخواجة نصير الدين قدّس سرّه:
العَارِفُ إذَا انْقَطَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَ اتَّصَلَ بِالحَقِّ، رَأى كُلَّ قُدْرَةٍ مُسْتَغْرَقَةً في قُدْرَتِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ المَقْدُورَاتِ، وَ كُلَّ عِلْمٍ مُسْتَغْرَقاً في عِلْمِهِ الذي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيءٌ مِنَ المَوْجُودَاتِ، وَ كُلَّ إرَادَةٍ مُسْتَغْرَقَةً في إرَادَتِهِ التي لَا يَتَأبَّى عَنْهَا شَيءٌ مِنَ المُمْكِنَاتِ؛ بَلْ كُلُّ وُجُودٍ فَهُوَ صَادِرٌ عَنْهُ فَائِضٌ مِنْ لَدُنْهُ.
فَصَارَ الحَقُّ حِينَئِذٍ بَصَرَهُ الذي بِهِ يَبْصُرُ، وَ سَمْعَهُ الذي بِهِ يَسْمَعُ، وَ قُدْرَتَهُ التي بِهَا يَفْعَلُ، وَ عِلْمَهُ الذي بِهِ يَعْلَمُ، وَ وُجُودَهُ الذي بِهِ يُوجِدُ.
فَصَارَ العَارِفُ حينَئِذٍ مُتَخَلِّقاً بِأخْلَاقِ اللهِ بِالحَقِيقَةِ.٣
- «مصباح الشريعة»، ص ٦٤، الباب ٩٥.
- فيما يخصّ هذا الحديث، فقد أسهبنا في شرحه في الجزء الأوّل من «معرفة الله» في البحثين ٩ و ۱۰.
- شرح «الإشارات» لابن سينا، مقامات العارفين، في الصفحة الثامنة قبل نهاية الكتاب، و هي الصفحة اليمنى، من الطبعة الحجريّة و التي لا تحمل ترقيماً، و جاء في شرح قول المصنّف:
إشارَةٌ: العرفانُ مبتدئٌ من تفريقٍ و نفضٍ و تركٍ و رفضٍ، مُمعِنٌ في جمعٍ هو جمعُ صفاتِ الحقِّ للذَّاتِ المريدةِ بالصِّدقِ، مُنتهٍ إلى الواحدِ ثمَّ وقوفٌ.
