
معرفة الله ج2
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
51السلام في إجابته على سؤال عن العالم العلويّ حيث قال:
خلق الإنسان ذا نفس ناطقة، أن زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر أوائل عللها، و إذا اعتدل مزاجها و فارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد.۱
و هكذا في خبر آخر، حيث يقول في بيان الخليفة (بعد بيانه لعدّة مواضيع):
فَمَنْ تَخَلَّقَ بِالأخْلَاقِ فَقَدْ صَارَ مَوْجُوداً بِمَا هُوَ إنْسَانٌ دُونَ أن يَكُونَ مَوْجُوداً بِمَا هُوَ حَيَوَانٌ؛ فَقَدْ دَخَلَ في البَابِ المَلَكِيّ الصُّورِيّ وَ لَيْسَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الغَايَةِ مَعْبَرٌ.
و من دالت له هذه الدولة و امتاز على عالَمَي الماء و الطين، اللذين هما عالَمي الظلمة و أوصل نفسه إلى مقام معرفة النفس، اي حقيقة النفس، و رأى حقيقة نفسه و روحه اللتين هما من عالم النور و مفتاح معرفة الربّ بالكشف و العيان، فسيرى نفسه من المجرّدات ليس إلّا.
و حينئذٍ سينجو من الحجب الظلمانيّة، و لن تبقى بينه و بين الوصول إلى المقام الذي يمكن فيه معرفة الحقّ جلّ جلاله إلّا الحجب النورانيّة، و خلال تلك الحجب و الوصول إلى هذا المقام المنيع توجد لذّات و بهجات و لوازم و عوالم حيث لا يمكن لأحد، غير أهلها، أن يعلم كنه تلك العوالم و اللوازم كما يجب.
- و قبل هذه الفقرة، ورد أنّه سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن العالم العلويّ، اي عالم المجرّدات، و الذي هو من حيث المنزلة أعلى مرتبة من عالم الأجسام، فأجاب: صُوَرٌ عَارِيَةٌ عَنِ المَوَادِّ، عَالِيَةٌ عَنِ القُوَّةِ وَ الاسْتِعْدَادِ. تَجَلَّى لَهَا فَأشْرَقَتْ، وَ طَالَعَهَا فَتَلألأتْ، وَ ألْقَى في هُويَّتِهَا مِثَالَهُ فَأظْهَرَ عَنْهَا أفْعَالَهُ.
