
معرفة الله ج2
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۲
46في عالم التصوّر و العقد القلبيّ؛ و الفرق بينها هو نفس الفرق بين التصوّر و الوجدان. أو كما هو الفرق بين أن يعرف الفرد معنى الحلوى معرفة تطابق الواقع، بشكل يتصوّر فيه الحالة و ذلك بانتشار مذاق بعض الأجسام إلى أغشية سقف الفم، و بين أن يتناول الحلوى مباشرة.
يمكن أن نعتبر الحالتين السابقتين متماثلتين من منظار معيّن، و في نفس الوقت، أن نعتبرهما من منظار آخر، منفصلتين تماماً و لا علاقة لإحداهما بالأخرى.
فمثلًا، يعتبر المتكلّمون نور الحقّ جلّ جلاله ظاهر و مُظهر، و لكنّه ليس من قبيل نور الشمس أو القمر... إلى آخره، فالرسول صلى الله عليه و آله يرى في سرّه و روحه حقيقة هذا الظاهر و المُظهر تتوضّح في تجلّي الاسم المبارك، و طبقاً للتنزيه الذي ذكرناه: لَا يُشْبِهُهُ نُورٌ مِنَ الأنْوَارِ بَلْ أجَلُّ مِنْ هَذَا التَّنْزِيهِ؛ و هذا ما نسمّيه بالمعرفة. و هذا التقريب هو من باب التمثيل، و ضروريّاً أن يُقرّب من جهة، حتى لو بَعَّدَ من جهات أخرى.
فمعرفة الاسم الظاهر للّه تبارك و تعالى لوليّ من الأولياء، إذا حصلتْ بتجلّي الاسم الظاهر فيقول: أ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حتى يَكُونَ هُوَ المُظْهِرَ لَكَ؟!
إنكار لقاء الله الباعث على التنزيه المحض، يوجب الكفر
و يقول الإمام الصادق عليه السلام: مَا رَأيْتُ شَيْئاً إلَّا وَ رَأيْتُ اللهَ قَبْلَهُ وَ مَعَهُ وَ بَعْدَهُ، فليس للإنسان بعد أن ينكر ذلك، أو يؤَوِّله على هذا المعنى (و قد أقرّ قلبه بذلك) و يسمّى ذلك تنزيهاً للّه تعالى عن أن يشاهد أحد حقائق أسمائه العظيمة.
نعم، هذا طبيعيّ، فالإنسان عدوّ ما يجهل.
و على أيّة حال، فإذا كان عزم المؤمن على أن ينفي كلّ مسألة لا يصل الفهم البدويّ إليها، فإنّه سيخرج عن دائرة الإيمان، بل - و حسب
