أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
36الحال مع اختراع المصباح الغازيّ حيث ظلّت تُطلَق عليه لفظة مصباح. و ها نحن اليوم نطلق كلمة مصباح حتى على المصابيح الكهربائيّة المنتشرة في عالمنا الحاضر. و ستظلّ كلمة مصباح تُطلَق على الأشكال الجديدة من المصابيح، و التي قد تُستَحدَث في المستقبل سواء كانت تعمل على الطاقة الكهربائيّة أو كانت قُدْرة الإنارة فيها بشكل لا تُقاس بما نستخدمه في عصرنا الحاضر.
و كلّ ذلك كان و لا يزال دون أدنى تصرُّف أو تدخّل في معنى كلمة مصباح أو المفهوم الموضوع له، فقد استخدمها السابقون و ها هم اللاحقون يستخدمونها كما هي عليه دون تغيّر يُذكَر.
و من هنا يتبيّن لنا أن أيّاً من الخصوصيّات المتفاوتة و الأشكال المختلفة لا دَخل لها و لا أثر على معنى كلمة المصباح و مراده و مفهومه الذي وُضِع له هذا اللفظ منذ بداية وجوده و اختراعه و على اختلاف أشكاله، و لا زال كذلك إلى يومنا هذا.
و المصباح في الحقيقة هو كلّ شيء وُضِعَ في مكان أو حيّز محدود لاستخدامه في إنارة الأشياء و إضاءتها.
و كذا كلمة النور، فهي في أصل لفظتها و وضعها أوّل مرّة لم توضع للإشارة إلى النور الحسّيّ المحسوس بحاسّة الباصرة و حسب. بل أن معنى النور هو ذلك الشيء الذي يكون ظاهراً بنفسه و ذاته، و قادراً على إظهار الأشياء الأخرى.
و أحد مصاديق هذه اللفظة هو النور المحسوس المادّيّ و الظاهريّ، كنور الشمس مثلًا و نور القمر و المصباح، ذلك أن هذه الأنوار لا تحتاج بوجودها و ذاتها إلى مُظهِرٍ لها، فهي ظاهرة بذاتها و نفسها. إنّنا لا نرى نور الشمس و لا ضوء القمر بمعيّة أشياء أخرى، بل هي مُنيرة و مُضيئة بذاتها،

