أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
33تيميّة الحنبليّ أيضاً، على هذا الرأي، و يصرّ عليه بقوله: أن المراد من آيات القرآن في العبارات و الألفاظ المستعملة فيه، هو هذه المعاني المعروفة المادّيّة و الطبيعيّة و الجسمانيّة. و لا يجوز حَمل ألفاظه و كلماته على غير هذه المعاني. و تُصرّ الوهّابيّة (و هم أتباع محمّد بن عبد الوهّاب و يعتقدون بالمذهب الحنبليّ) على المبدأ المذكور و تؤكّد عليه.
يقول الحنابلة: أن المراد من العرش و الكرسيّ و اليد و النور و الاستواء و النزول و مجيء الربّ، و أمثال ذلك ممّا ورد ذِكرهُ في القرآن الكريم و استُخدِمَ في كثير من الآيات، هو هذه المعاني المستعملة و المتعارف عليها، و لا يجوز بأيّ شكل من الاشكال التصرُّف في الآيات المذكورة أو تغييرها، أو حَمل تلك الألفاظ و الكلمات على مَعانٍ أخرى أوسع و أكثر تجرّداً.
و كان ابن تيميّة يقول صراحةً بأنّ المراد من نزول الله هو هذا النزول المُشاهَد و المحسوس. و أن ما رُويَ في الأحاديث النبويّة من نزول الله سبحانه في ليالي الجمعة، يُقصَد به هذا الشكل من النزول.
و قد كان يقول بصريح العبارة حين يعتلي المنبر و يقوم بإلقاء خُطَبِه: أن النزول المراد به هو هذا النزول المعروف، فالله ينزل تماماً كما أنزِل أنا! انظروا، هكذا! فكان ينزل دَرَجةً من على المنبر و يمثّل و يُشَبِّه للناس كيفيّة نزول الله سبحانه بصورة محسوسة.
{اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ}، اي أن الله سبحانه هو هذا النور المحسوس.
{الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى}۱، معناه أن الله جلس و استقرَّ على
- الآية ٥، من السورة ٢۰: طه.

