أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
24و قوله: {الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}؛ تشبيه الزجاجة بالكوكب الدرّيّ من جهة ازدياد لمعان نور المصباح و شروقه بتركيب الزجاجة على المصباح فتزيد الشعلة بذلك سكوناً من غير اضطراب بتموّج الأهوية و ضرب الرياح، فهي كالكوكب الدرّيّ في تلألؤ نورها و ثبات شروقها.
و قوله: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ}؛ خبر بعد خبر للمصباح، اي المصباح يشتعل آخذاً اشتعاله من شجرة مباركة زيتونة، اي أنّه يشتعل من دهن زيت مأخوذ منها، و المراد بكون الشجرة لا شرقيّة و لا غربيّة أنّها ليست نابتة في الجانب الشرقيّ و لا في الجانب الغربيّ حتى تقع الشمس عليها في أحد طرفي النهار و يفيء الظلّ عليها في الطرف الآخر فلا تنضج ثمرتها فلا يصفو الدهن المأخوذ منها فلا تجود الإضاءة، بل هي ضاحية تأخذ من الشمس حظّها طول النهار فيجود دهنها لكمال نضج ثمرتها.
و الدليل على هذا المعنى قوله: {يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ}، فإنّ ظاهر السياق أن المراد به صفاء الدهن و كمال استعداده للاشتعال و أن ذلك متفرِّع على الوصفين: لا شرقيّة و لا غربيّة.
و أمّا قول بعضهم: من أن المراد بقوله: {لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ}، إنّها ليست من شجر الدنيا حتى تنبت إمّا في شرق أو في غرب، و كذا قول آخرين: أن المراد أنّها ليست من شجر شرق المعمورة و لا من شجر غربها، بل من شجر الشام الواقع بين الشرق و الغرب و زيته أفضل الزيت، فغير مفهوم من السياق.
و قوله: {نُورٌ عَلى نُورٍ}؛ خبر لمبتدأ محذوف و هو ضمير راجع إلى نور الزجاجة المفهوم من السياق، و المعنى نور الزجاجة المذكور نور عظيم على نور كذلك، اي في كمال التلمّع.

