أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
23و قد نسب تعالى في سائر كلامه إلى نفسه نوراً كما في قوله:
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ}. (الآية ۸، من السورة ٦۱: الصفّ)
و قوله: {أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها}. (الآية ۱٢٢، من السورة ٦: الأنعام)
و قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ}. (الآية ٢۸، من السورة ٥۷: الحديد)
و قوله: {أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}. (الآية ٢٢، من السورة ٣٩: الزمر)
و هذا هو النور الذي يجعله الله لعباده المؤمنين يستضيئون به في طريقهم إلى ربّهم و هو نور الإيمان و المعرفة.
و ليس المراد به القرآن كما قاله بعضهم فإنّ الآية تصف حال عامّة المؤمنين قبل نزول القرآن و بعده. على أن هذا النور وصف لهم يتّصفون به كما يشير إليه قوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ}. (الآية ۱٩، من السورة ٥۷: الحديد)
و قوله: {يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا}. (الآية ۸، من السورة ٦٦: التحريم)
و القرآن ليس وصفاً لهم و إن لوحظ باعتبار ما يكشف عنه من المعارف رُجع إلى ما قلناه.
تفسير العلّامة الطباطبائيّ لقوله تعالى: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ
و قوله: {كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ}، المُشَبَّه به مجموع ما ذكر من قوله {كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ}- إلى آخره، لا مجرد المِشْكَاة و إلّا فسد المعني، و هذا كثير في تمثيلات القرآن.

