
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
87سدرة المنتهى فرآه بقلبه كما رآه في النزلة الاولى».۱
و تعليقاً على الآية {ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى} قال قدّس الله سرّه:
«الزَّيْغُ الميل عن الاستقامة، و الطغيان تجاوز الحدّ في العمل، و زَيْغُ البَصَرِ إدراكه المبصر على غير ما هو عليه، و طغيانه إدراكه ما لا حقيقة له، و المراد بالبصر بصر النبيّ.
و المعني: أنّه صلى الله عليه و آله لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقيّة و لا أبصر ما لا حقيقة له، بل أبصر غير خاطئ في إبصاره.
و المراد بالإبصار رؤيته صلى الله عليه و آله بقلبه لا بجارحة العين، فإنّ المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى} المشير إلى مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الاولى التي يشير إليها بقوله: {ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ، أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى}. فافهم و لا تغفل».
و علّق رحمة الله عليه على الآية الشريفة {لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى} بقوله:
مِنْ للتبعيض، و المعني: أقسم لقد شاهد بعض الآيات الكبرى لربّه، و بذلك تمّ مشاهدة ربّه بقلبه، فإنّ مشاهدته تعالى بالقلب إنّما هي بمشاهدة آياته بما هي آياته، فإنّ الآية بما هي آية لا تحكي إلّا ذا الآية و لا تحكي عن نفسه شيئاً و إلّا لم تكن من تلك الجهة آية.
و أمّا مشاهدة ذاته المتعالية من غير توسّط آية و تخلّل حجاب فمن المستحيل ذلك، قال تعالى:
{وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}. (الآية ۱۱۰، من السورة ٢۰: طه).٢
- «الميزان» ج ۱٩، ص ٣۱.
- «المصدر السابق»، ص ٣٢.
