
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
85ناصّة على أن المراد بالآيات ليس بيان صفة كلّ وحي، بل بيان وحي المشافهة الذي أوحاه الله سبحانه إلى نبيّه صلى الله عليه و آله ليلة المعراج.
فالآيات متضمّنة لقصّة المعراج و ظاهر الآيات لا يخلو من تأييد لهذه الروايات و هو المستفاد أيضاً من أقوال بعض الصحابة كابن عبّاس و أنس و سعيد الخدريّ و غيرهم على ما روي عنهم و على ذلك جري كلام المفسّرين و إن اشتدّ الخلاف بينهم في تفسير مفرداتها و جملها».۱
و على هامش الآية الشريفة {ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى}- يقول العلّامة قدّس الله روحه:
«و ليس في الآية ما يدلّ على أن متعلّق الرؤية هو الله سبحانه و أنّه لمرئي له صلى الله عليه و آله، بل المرئيّ هو الافق الأعلى و الدنوّ و التدلّي و أنّه اوحي إليه، فهذه هي المذكورة في الآيات السابقة و هي آيات له تعالى، و يؤيّد ذلك ما ذكره تعالى في النزلة الأخرى من قوله:
{ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى ، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى}.
آيات سورة النجم دالّة على رؤية النبيّ لله تعالى في المعراج
على أنّها لو دلّت على تعلّق الرؤية به تعالى لم يكن به بأس فإنّها رؤية القلب و رؤية القلب غير رؤية البصر الحسّيّة التي تتعلّق بالأجسام و يستحيل تعلّقها به تعالى و قد قدّمنا كلاماً في رؤية القلب في تفسير سورة الأعراف، الآية ۱٤٣».٢
- «الميزان في تفسير القرآن» ج ۱٩، ص ٢٦.
- «المصدر السابق»، ص ٢٩.
يقول المؤلّف الفقير: ورد في كتاب «نفائس الفنون» ج ٢۷، ص ٦۸ و ٦٩:
«الفصل الحادي العشر، في بيان الوصول:
اعلم أن الوصول إلى حضرة البارئ عزّ و جلّ ليس من قبيل وصول الجسم إلى الجسم، أو وصول العرض إلى الجسم، أو العلم إلى المعلوم، أو العقل إلى المعقول؛ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
و كذلك ليست مسألة الوصول إلى حضرته هي بفعل العبد، بل هي لطف دون علّة و تصرّف الجذبات الالوهيّة. أ لم تَرَ إلى موسى و قد قال، و هو يسعى إلى رؤية الرؤية: {ربّي أرِنِي أنظُرُ إلَيْكَ}، فقال: {لَن تَرَانِي}! لكنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم، و بحكم {سُبْحَانَ الذي أسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} ارْكِبَ البُراق و عُرج به (إلي السماء) مجتازاً قاب قوسين حتى وصل مقام أو أدْنى، و البِسَ كلّ لباس محمّديّ بحكم ما كانَ محمّد أبا أحدٍ من رجالِكُم و بُعِثَ رحمةً و تشرّف بالخطاب القائل و ما أرسلناك إلّا رَحْمَةً للعالَمين. فكلّ من لم يستطع أن يحلّق ببراق القدرة من حضيض البشريّة إلى سدرة منتهي الروحانيّة فليعرّج على حضرته و يقدّم له الولاء و الطاعة، لأنّ من وصل إليه فقد وصل إلينا؛ {من يُطِعْ الرسول فقد أطاعَ الله} إلى آخر البيان الذي أورده في هذا الفصل.
