
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
80بالكواكب و السيّارات في منظومتنا الشمسيّة. و إن استمرّينا في العلوّ حتى اقتربنا من قرص الشمس فإنّنا سنطّلع على خصوصيّات أكثر لها كلّما سنحتْ لنا الفرصة من الاقتراب نحوها أكثر.
كذلك الحال مع الإنسان، فلأنّه موجود يعكس كلّ الصفات الجماليّة و الجلاليّة الربّانيّة، و هو أيضاً يمثّل الظهور التامّ و المظهر الأتمّ للّه عزّ و جلّ، فهو يمتلك قابليّة المرونة و المسير معاً. لكن، ما هي قابليّة مرونته و ما هو مسيره؟ هي تجاوزه للموجودات الباعثة على التفرّق و الفرقة، للهواجس النفسانيّة الباطلة التي تحيط بعقيدته، للخيالات و الأحلام المُمَوَّهة و الأفكار المُشوَّهة التي تذهب به بعيداً عن عالم القرب، فليست قابليّة المرونة إلّا مجموع ذلك، و لا شيء غيرها.
يتحتّم على الإنسان أن يترفّع بمنزلته و ينأي بها عن ما يقتاته الحيوان في زريبته، و يأنف عن الناسوت و المادّة و يتنزّه عن أصالة الطبيعة. عليه أن لا يعير كلّ ذلك اهتماماً استقلاليّاً أو أهمّيّة كبيرة، و أن يتوجّه نحو عالم الملكوت و يوجّه فطرته إلى الوجهة الربّانيّة و ملكوتها، و أن يذوب و ينصهر فيها، و أن يصرخ بأعلى صوته:
{وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.۱
- هذه الفقرة من الدعاء هي من ضمن الأدعية السبعة في التكبيرات الافتتاحيّة في الصلاة و التي ذكرها آية الله السيّد محمّد كاظم اليزديّ أعلى الله مقامه في كتاب «العروة الوثقى» في باب الصلاة، فصل (تكبيرة الإحرام)، و هو دعاء مأثور عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام، مقتبس من آيتين من اي القرآن الكريم، الاولى: الآية ۷٩، من السورة ٦: الأنعام، و هي قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام إذ قال لقومه: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. و الثانية الآيتين ۱٦٢ و ۱٦٣، من نفس السورة، هي قوله تعالى خطاباً للنبيّ الأكرم يأمره أن يقول للمشركين: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}.
