
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
78و هو الحاكم، و نحن مملوكون و هو المالك، و هكذا دواليك.
قابليّة الإنسان في الخلقة لا متناهية
الله عزّ و جلّ هو خالقنا، و هو الذي وهب لنا الجسد و الفكر و العقل، و منحنا الروح و النفس، و تلك كلّها مجرّد مظاهر من لدن الله. و الله ظاهر في ذاته عزّ و جلّ، و هو الذي فرض لنا الظهور و وهبنا إيّاه، لكنّ هذا الظهور إنّما هو ظهور مستند إلى ظهوره هو عزّ و جلّ.
ما مقدار القوّة و الاستطاعة التي نملكها حتى نعرف الله بواسطتها؟! أن ذلك المقدار هو مقدار وجود الله سبحانه في ذواتنا. و ما هو المقدار الموجود من ذات الله عزّ و جلّ فينا؟! ما المقدار من ظهور الله؟! ما المقدار من علم الله؟! ما المقدار من قدرة الله؟! و أخيراً، و ليس آخراً، ما المقدار من حياة الله؟!
لقد خلقنا الله عزّ و جلّ {أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}۱ و أودع فينا من جميع الأسماء الحسنى و الصفات العليا، و جعل أنفسنا من الهيولى (أي قابليّة محضة لأيّة فعليّة متصوّرة في طريق التقدّم و الكمال و التخلُّق بأسمائه و صفاته). و لم يجعل لنا حدّاً و لا حدوداً من جهة الاستعداد و القدرة على التقدّم و التكامل و الارتقاء في سُلّم اليقين و الوصول إلى العرفان و التوحيد و الفَناء في ذات الله المقدّسة و الرُّسوِّ عند صفاته الحسنى. فكما أنّه عزّ و جلّ غير متناهٍ ذاتاً و وجوداً و فعليّة في ذاته و أسمائه و صفاته و أفعاله، فقد جعلنا نحن كذلك لا متناهين قابليّة و إيجاداً و استعداداً.
و على هذا، فبإمكاننا التقدّم إلى قمّة درجات صفاته و أسمائه من جهة الإمكان و الاستعداد، و بإمكاننا أيضاً التخلُّق بجميع ذلك كلّه. أمّا من حيث الفعليّة و تحقّق تلك القابليّة و تمركزها حول الحياة و الصفات و الأفعال، فإنّ
- مقتبس من الآية ٤، من السورة ٩٥: التين: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.
