
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
75من التفاح و الكُمّثرى و العنب و الرُّطَب و الحُور العين و الغلمان {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ}؟!
إذن، و الحال هذه، علينا أن نُؤوِّلَ الأخبار التي تؤكّد على عدم إمكانيّة رؤية الله عزّ و جلّ على أنّها نتيجة لدرجات المعرفة غير التامّة، مقارنة بإمكانيّة رؤيته تعالى، بل إمكانيّة حدوث ذلك و تحقُّقه في الخارج. تلك المعرفة أو المعارف الجزئيّة التي تحدث للناس كالمعرفة الحاصلة بالذات و الحقيقة عن طريق شبح أو صورة حسب تصوّرهم، فيريدون بذلك التوصّل إلى كيفيّة و كمّيّة الله عزّ و جلّ و شكله و صفاته، حيث يجعلون كلّ ذلك بمثابة آية للّه ذي الآية.
إنّنا نجد أنفسنا مضطرّين لبيان مقدّمة هنا إذا شئنا الفصل بين هاتين المجموعتين، مستعينين بحول الله و قوّته. و مع كون هذه المقدّمة بمثابة قانون علميّ و قاعدة حِكَميّة و فلسفيّة، إلّا أنّنا سنسعي جاهدين في بيانها بصورة مبسّطة حتى يكون بالإمكان فهمها:
حتّي يكون بإمكان أيّ موجود الحصول على معرفة كافية و عِلم شامل عن موجود آخر، يتوجّب وجود شيء من ذلك الموجود (الثاني) في هذا الموجود (الأوّل). إنّنا نرى الكثير من الموجودات في العالَم من حولنا، منها الإنسان، و الحيوان على مختلف صوره و أشكاله و آثاره و خواصّه، فالبقر و الغنم و الإبل و الطير و البطّ، كلّ هذه تختلف عن بعضها البعض.
و هناك الشجر و الحجر و الماء. و هي كلّها موجودات كثيرة مختلفة، و الكثرة تستلزم ذلك الإختلاف و التنوع الموجود فيما بينها.
فالشجرة كيان منفصل عن الحيوان، لأنّها تختلف و تتميّز عنه، و إلّا لكانَ الاثنان شيئاً واحداً. و زيد غير عمرو، و الوالد ليس بالولد. فلو كانا
