
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
67الله نور و ما دونه فهو مُنوَّرٌ بنوره. و لو كانت الأشياء قادرة على إظهار الله، لاستَبدلتْ مكانها بمكانه، و لأصبحت هي الإله، و لأصبح الله هو المخلوق، و لأصبحت الأشياء في سلسلة أعلى مراتب العلل، و لكان الله هو المعلول. لا يمكن للّه أن يتّكل على غيره، لا في أصل الخِلقة و لا في الظهور و الآيتيّة. لذا، فتعبير هو الحقّ يعني أنّه هو الموجود الأصيل عبر جميع مراتب الوجود، من أصل الوجود و من الظهور خلال مراتب الوجود.
و حيث علمنا أن الله سبحانه هو أصل النور و مبدأ الظهور و أصالة التحقُّق و الوجود في الآفاق و في الأنفس، لذا وجب أن نعلم: كيف يتسنّي للإنسان معرفة هكذا ربّ؟! فلو أراد الوصول إليه عن طريق معرفة غيره، لم يصحّ ذلك، لأنّ ما دون الله متعلِّق ظهوره بالله سبحانه، إذ الله هو المانح لظهوره فظهر كما يظهر، فكيف يكون بالإمكان إذن الوصول إلى الله، مع علمنا بأنّ الذي نروم معرفة الله عن طريقه إنّما هو ظاهر بظهور الله المُظهِر لذلك الشيء؟!
إمكان معرفة الله تعالى بالله، لا بسواه
إن المصباح المضيء في مسجد، مضيء في نفسه و ذاته، و أمّا بقيّة الأشياء المضاءة في ذلك المسجد، فهي مضيئة بنور ذلك المصباح، لا بنورها هي بالذات. فنور المصباح ينتشر في ظُلمة المسجد، و الأشياء الموجودة في غياهب ذلك المكان تُضيءُ و تُنير بضياء المصباح و نوره. فَلِكَيْ نرى ذلك المصباح و نتعرّف عليه، يتوجّب علينا رؤيته هو بذاته و ليس نوره الساقط على الأشياء. لا يمكننا بحال من الأحوال رؤية المصباح نفسه من خلال نوره الساقط على الأرض و المنعكِس عن هذا الشيء أو ذاك. يجب رؤية المصباح بنفسه، لا بالأشياء المظلمة المعتمة و المُنارَة بنوره و المستضيئة بضيائه.
