
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
66{أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
أي أن الله سبحانه حاضر و ناظر و شاهد بوجوده في وجود جميع الموجودات الآفاقيّة و الأنفسيّة و كذلك في كلّ شيءٍ يمكن أن تُطلَق عليه كلمة شيء، لا بكونه موجوداً آخراً أو في مكانٍ آخر، و أن مُجَرّد عِلمه هو المحيط بالموجودات للتقدير فيها أو التحكُّم بها.
الله تعالى ظاهر في آيات الآفاق و الأنفس، لكنّ الناس يشكّون في لقائه
و أعجب من هذه التتمة هي الآية التي تليها:
{أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}.
فما السبب في كون هذه الآية أعجب و أغرب؟ السبب في ذلك هو أن الله سبحانه يقول: أن الناس ليشكّون في لقاء الله ربّهم في حين أنّه موجود في الآفاق و الأنفس، و أن واقع الآفاق و الأنفس هو الله الذي برز من خلال الآيات و العلامات، و تجلّى فيها بوضوح. فلمّا كان الله سبحانه موجوداً في الآفاق و الأنفس و مشهوداً في كلّ جزء منها، و لمّا كان الله أوّل شيء ينظر إليه الناس من خلال رؤيتهم لأيّ شيء حولهم و لكلّ نفس من نفوسهم، فلِمَ، و الحال كذلك، يشكُّ الناس بوجود الله و يرتابون في أمره و لقائه، مع وضوح تلك الآيات و جلاء تلك الصور و العلامات؟!
ثمّ يقول سبحانه {إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}، و هذا لا يعني الإحاطة العِلميّة الحضوريّة أو الحصوليّة، بل أن ما يعنيه هو الإحاطة الوجوديّة و إحاطة المَعيّة التي يتجلى فيها أوّلًا عبر وجوده مع كلّ آية و أيّة علامه في الآفاق و الأنفس و إحاطته بها، ثمّ تعيُّن تلك الآية و تشخُّصها ثانياً و بالعَرض و المجاز.
الله أوّلًا و من ثَمّ باقي الموجودات. هو السابق و ما دونه مسبوق مغلوب. هو القائم و ما دونه إنّما هو يتقوّم به. هو الظاهر و به تظهر الأشياء و تتجلّى.
