
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
65فضاء مُضاء تبدو الآيتيّة واضحة كلّ الوضوح خلالها لا يشوبها شيء، و كأنّه لا وجود لا للمرآة و لا للماء و لا للهواء، بل أن كلّ ما هو موجود إنّما هو موجودات ماثلة أمام تلك المرأة و داخل ذلك الماء و مُشاهَد في ما وراء النور و الهواء.
كلّ ما موجود هو الله و لا وجود لشيء غير الحقّ. جميع الآفاق و كلّ الأنفُس إنّما هي آيات، و لا وجود لشيء أو موجود غير «نا» و «الله» و «الحقّ» في ما وراءها مطلقاً.
لا وجود لغير «الله» في عالَم الوجود. و كلّ ما سواه إنّما هو آية له لا أكثر. و هو وحده ذو الآية و صاحب العلّامة، هو كلُّ شيء و لا شيء سواه. و ذو الآية الذي هو الحقّ في هذه العبارة، هو نفسه الآفاق و الأنفس. فالآفاق و الأنفس هما حقّ إذن.
إن هذه الآية تُدَلِّل على أن حقيقة الآفاق و الأنفس هي وجود الحقّ تعالى، و أنّها لا تملك شيئيّة ما في حدّ ذاتها، لأنّها إنّما وُصِفتْ على أنّها آية و علامه، لا غير. و بالتالى فإنّ الحقّ تعالى عبارة عن واقع الآفاق و الأنفس و حقيقتها. أينما تُوَلِّ وجهك فثمَّ وجود الله، و إلى أيّ شيء أرجعت بصرك ترى فيه الله. فما أكثر الأشياء، لكنّ الله واحد فرد صمد. فلا موجود في عالَم الوجود سوى الله. فالتعيُّنات و الإنّيّات و معها الماهيّات كلّ تلك امور عدميّة و باطلة، و الوجود المقدّس للحقّ تعالى واحد، حيث يتجلى في الآفاق و الأنفس و يظهر في كلّ جنبة من جنباتها.
إن كلمة {لَا إلَهَ إلَّا اللهُ} المباركة التي هي كلمة التوحيد و معنى التوحُّد و الوحدة، إنّما أصلها راجع إلى كلمة لَا مَوْجودَ سوى اللهِ التي تنفي كلّ نوع من أنواع التعيُّن عن ذات الحقّ تعالى، و تُجرّده منه.
و خير دليل و شاهد على هذا الكلام هو تتمّة الآية الشريفة:
