
معرفة الله ج1
69٬055
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
الحصول على الكتاب من سراي جاويد
معرفة الله ج۱
50مُنْحَرِفاً وَ مِنْكَ خَائِفاً مُرَاقِباً، يَا ذَا الجَلَالِ وَ الإكْرَامِ".۱
- «مفاتيح الجنان» ص ۱٥٩.
إن تشبيه آية النور المباركة لحالات نفس السالك إلى الله هي من أروع التشبيهات في هذا المقام. و ليس أجدر من أن ننقل هنا نصّ عبارات استاذ السلوك و العرفان آية الحقّ و الإيقان السيّد مهدي بحر العلوم في الرسالة المنسوبة إليه.
يقول السيّد بحر العلوم:
«و أمّا السالك فإنّه يرى آثار و فيوضات ذلك. و من جملة الآثار حصول الأنوار في القلب حيث يكون في البدء على شكل مصباح ثمّ على شكل شعلة ثمّ كوكب ثمّ قمر ثمّ بعد ذلك على شكل شمس، ثمّ تنخمد و تزول ألوانها. و الكثير منها يكون على شكل برق و أحياناً تكون بصورة مشكاة و قنديل، و هذان الاثنان يحصلان أكثر ما يحصلان بفعل المعرفة و السبق من الذِّكر. و قد أشار الإمام أبي جعفر عليه السلام إلى المرتبة الاولى كما روي ذلك ثقة الإسلام في «الكافي» أن الإمام عليه السلام قال في بيان أقسام القلوب: وَ قَلْبٌ أزْهَرُ أجْرَدُ. فَقُلْتُ: وَ مَا الأزْهَرُ؟ فَقالَ: فيهِ كَهَيْئَةِ السِّراجِ- إلى أن قالَ: وَ أمَّا القَلْبُ الأزْهَرُ فَقَلْبُ المُؤْمِنِ. و قد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى بعض هذه المراتب قائلًا: قَدْ أحْيَا قَلْبَهُ وَ أمَاتَ نَفْسَهُ حتى دَقَّ جَليلُهُ وَ لَطُفَ غَليظُهُ وَ بَرَقَ لَهُ لَامِعٌ كَثِيرُ البَرْقِ.
إن إحدى المعاني الباطنية للآية الشريفة: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضِ} هي شرح لهذه المراحل حيث يستحيل شخص الإنسان في هذه الأحوال إلى مشكاة فيها مصباح و الذي يمثّل القلب، و في تلك الزجاجة مصباح و المذكور بالنور، و يتحوّل القلب بعد نشر ذلك إلى ما يُشبه الكَوْكَبٌ الدُّرِّيّ فيكون ساطعاً نيّراً مثلُهُ كمثل نور الشجرة المباركة الكثير النفع و هو ما يمثّل النورانيّة و الروحانيّة لذكر الله حيث ليس بشرقيّ و لا غربيّ، بل نابع عن الطريق الباطن و الذي هو كذلك ليس بشرقيّ و لا غربيّ. وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ اي إذا لم يغفل عن ذكر الله و الذي يؤدّي إلى مقارنة الشيطان المخلوق من النار بنصّ الآية الشريفة {وَ مَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}، و يزيد {نُورٌ على نُورٍ}نوراً على نوره حتى يغدو جميع ذلك نوراً. وَ هَذِهِ الزُّجاجَةُ {في بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}. و في بيان مَثَلُ نورِهِ قال عليه السلام: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَ الآصَالِ، رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَ لَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ.* («رسالة السير و السلوك المنسوبة إلى بحر العلوم» ص ۱٩٤ إلى ۱٩۷ مع مقدّمة و شرح للسيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، منشورات حكمت).
* اي في بيان تحقّق هذا النور و مصداقيّته فإنّه يقول أن رجالًا يُسبّحون الله في الصباح و المساء في تلك البيوت.
- «مفاتيح الجنان» ص ۱٥٩.
/
12
