
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
45و بعد شروق شمس الدولة المحمّديّة و طلوع نورها، أفلتْ كواكب ولاية الأنبياء، فنُسِخَت بذلك آية ليلة الأديان الأخرى، حيث حَلَّت آية {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، مَحلّها، إذَا طَلَعَ الصَّبَاحُ اسْتُغْنِيَ عَنِ المِصْبَاحِ.
فالمسكين هو ذلك الأعمي الذي حُرِمَ من كلّ ذلك النور و الضياء. شعر:
خورشيد بر آمد اى نگارين ديرست *** بر بنده اگر نتابد از إدبارست۱ و أورد الشيخ نجم الدين الرازيّ كذلك: خلقت الملائكة من نور.٢
و قال أيضاً: هذه الطائفة هي أصحاب المَيمَنة، حيث مَشرَبهم من عالَم الأعمال، و مَعادُهم درجات جنّات النعيم. مع هذا فإنّ طريقهم ليس طريقاً بحسب معرفة الذات و الصفات الربّانيّة، إذ إنّهم ما زالوا أسرى آفة حُجُب الصفات الروحانيّة و النورانيّة، إذ أن لِلَّهِ [تَعَالَي] سَبْعِينَ ألْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ وَ ظُلْمَةٍ.٣
- «مرصاد العباد» ص ۱٣٤؛ و كذلك ص ۱٥۸ و ۱٥٩.
«أشرقت الشمس فالوقت متأخّر أيّها المعشوق، فإذا لم تسطع على فذلك بسبب الإدبار». - رسالة «عشق و عقل» ص ٤۰، منشورات بنگاه ترجمه و نشر كتاب، الطبعة الثانية؛ و في تعليقة ص ۱۱۱ يقول: مقتبس من «صحيح مسلم» كتاب الزهد، و «مسند أحمد بن حنبل» ج ٦، ص ۱٥۸ و ۱٦۸، نقلًا عن «المعجم المفهرس».
- ذُكرت هذه الرواية في «مرصاد العباد» ص ۱۰۱ و ٣۱۱. و ذكرها كذلك الملّا عبد الرزّاق الكاشانيّ في شرح «منازل السائرين» ص ۷ و ٢٩۰، منشورات بيدار، و ذكرها أيضاً المعلِّق على الكتاب في ص ٤۱٥. و قال العلّامة محمّد بن محمود الآمليّ في كتاب «نفائس الفنون» ج ٢، ص ٥٩ و ٦۰، حيث يقول: «الفصل الثامن: في بيان مشاهدات الأنوار و مراتبها»: قال الله تعالى: {ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ، أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ، وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى}. اعلم أنّه بسبب انصقال مرآة القلب تدريجيّاً بمصقلة الذِّكر، و امّحاء أدران الطبيعة و ظلمة البشريّة عنها، يكون ظهور الأنوار الغيبيّة فيها أقوي. و تتوهّج تلك الأنوار على غرار توهُّج الشمعة و المصباح و المشعل و النيران، و ذلك عند ما يكون الخيال لا يزال يشوب تلك الأنوار. و بعد ذلك تتراءي للعيان الأنوار العلويّة، حيث تكون في البداية على صورة كواكب متناثرة، و بعد ذلك على صورة قمر و من ثمّ تظهر بصورة شمس حتى تظهر الأنوار المجرّدة من المحالّ. و عند ما تنسلخ الأنوار من الحُجُب تماماً و لا يكون للخيال مجالًا للتصرّف فيها، تنعدم حينئذٍ الألوان و الأشكال، فيسود انعدام اللون و الشكل و الكيفيّة و الصورة؛ ذلك أن تلوّث الصفات البشريّة هو الذي يجعل الروح تُدرك شكل و لون النور من وراء حجاب الخيال، فعند ما تسود الروحانيّة المحضة و يتمّ الخروج من تلك حُجُب الخيال تنتفي الأشكال و الألوان. لكن على الرغم من أن الله سبحانه و تعالى هو مظهر جميع الأنوار و ذلك حسب ما تصرّح به الآية: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضِ} و أن كثرة هذه الأنوار و قلّتها يكون بحسب صفاء القلب و صقالته من ظلمة البشريّة، إلّا أن ظهورها يكون مختلفاً و متبايناً و ذلك بسبب اختلاف و تباين منشأ مشاهداتها و يقال لهذه الأنوار الأنوار الأرضيّة و ذلك عند ما تكون على صورة امور سفليّة مثل البروق و اللوامع و اللوائح و المشاعل و القناديل و المصابيح. أمّا عند ما تكون على صورة أجرام علويّة كالكواكب و الأقمار و الشموس فيقال لها الأنوار السماويّة.
و على هذا فإنّها تظهر بصورة برق إذا كانت منشأ مشاهدتها الذِّكر، أو بصورة مشكاة أو قنديل إذا كانت منشأ مشاهدتها المعرفة.
(تابع الهامش في الصفحة التالية...)
- «مرصاد العباد» ص ۱٣٤؛ و كذلك ص ۱٥۸ و ۱٥٩.
