
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
172و عالم البرزخ، و هي مستقرّ الأرواح بعد مفارقتها دار الدنيا، و مكان صور كلّ ما ارتُكِبَ من الأعمال، و الأفعال، و الأخلاق، الحسن منها و السيّئ المكتسبة في الحياة الدنيا- كما هو وارد في الأحاديث و الآيات-، و يقع هذا البرزخ في الجانب الغربيّ من الأجسام، و هي مدينة عظيمة السعة، و تقع قبالة جابلقا.
و هنا يكون أهل مدينة جابلقا، أكثر لطافةً و نقاءً، ذلك لأنّ أهل مدينة جابلسا، و بسبب أعمالهم و أخلاقهم الرديئة التي اكتسبوها في الدنيا، قد صُوّروا بصور مظلمة.
و معظم الخلق على هذا التصوّر، بأنّ هذين البرزخين هما شيء واحد، و لكن يجب العلم، بأنّ البرزخ الذي يستقبل الأرواح بعد مفارقتها للحياة الدنيا، هو غير البرزخ الكائن بين الأرواح المجرّدة و الأجسام؛ هذا لأنّ مراتب تنزّلات الوجود و معارجه دوريّة، على اعتبار أن اتّصال النقطة الاولى بالنقطة الأخيرة غير ممكن، إلّا في حالة الحركة الدورانيّة؛ و البرزخ الذي هو كائن قبل النشأة الدنيويّة، هو في مراتب تنزّلاتها، و يشكّل النقطة الاولى بالنسبة إلى هذه النشأة، و أمّا البرزخ الذي يأتي بعد النشأة الدنيويّة، فهو من مراتب الأوج، و عليه، فهو يعتبر النقطة الأخيرة بالنسبة إلى النشأة الدنيويّة.
و المسألة الأخرى هي أن الصور التي تلحق بالأرواح، هي صور الأعمال و نتائج الأفعال و الأخلاق و الملكات التي حصلت في النشأة الدنيويّة، على عكس صور البرزخ الأوّل.
فكلّ واحد منهما، هو غير الآخر، و لكنّهما يشتركان في كونهما عالمين روحانيّين، و لكلّ منهما جوهر نورانيّ غير مادّيّ، و يحويان على مثال صور العالم.
