
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
137و لا اللحم و لا شيء من البدن، بل و لا يوجد في عالم الأجسام ما تشتاقه النفس و تهواه، بل صورة روحانيّة موجودة في غير هذا العالم».۱
نعم، هذه المسائل ذكرت، لنتبيّن عظمة الروح و النفس الإنسانيّة، و أن كلّ ما هو موجود فهو منه، و إليه ينتهي كلّ مقام و رتبة. فالبدن جسد مسخّر لتنفيذ أوامر و نواهي النفس ليس إلّا.
ليس في عالم الأجسام شيء تشتاق إليه النفس
إن العشق يولّد روحاً، و العاشق يتحوّل إلى روح للمعشوق الحقيقيّ، و المصدر الأوّل، المجرّد المنزّه، و الصرف الخالص. و للروح قوّة هيوليّة، و قابليّة بسيطة غير متناهية، ليحظى بشرف لقاء الله و نعمة التكلّم إليه، فيصبح عندها كليم الله.
إن على الإنسان أن يعرف قدر نفسه، و أن لا يحكم على هذه الجوهرة النفيسة أن تكون أسيرة البدن و رغباته و شهواته المادّيّة، و لا يحبس القوّة الناطقة في حدود القوّة الحيوانيّة و البهيميّة، و لا يبدّل عشقه للأوجه الحسان في عالم التجرّد، بعشقه للأشقياء و العاصين في عالم الطبيعة، فتكون عاقبته الخسران العظيم.
يقول صدر المتألّهين، في بحث العظمة و التجرّد و النورانيّة:
«اعلم أن هذه المسألة دقيقة المسلك بعيدة الغور و لذلك وقع الاختلاف بين الفلاسفة السابقين في بابها، و وجه ذلك أن النفس الإنسانيّة ليس لها مقام معلوم في الهويّة، و لا لها درجة معيّنة في الوجود كسائر الموجودات الطبيعيّة و النفسيّة و العقليّة التي كلٌّ له مقام معلوم، بل النفس الإنسانيّة ذات مقامات و درجات متفاوتة، و لها نشآت سابقة و لاحقة، و لها في كلّ مقام و عالم صورة أخرى، كما قيل في البيت الشعريّ التالى:
- «الأسفار الأربعة» ج ۷، ص ۱۷۱ إلى ۱۷٩.
