
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
134المحسوس بالفعل.
فعلى هذا المعنى يصحّ صيرورة النفس العاشقة لشخص متّحدة بصورة معشوقها و ذلك بعد تكرّر المشاهدات۱ و توارد الأنظار و شدّة الفكر و الذِّكر في أشكاله و شمائله حتى يصير متمثّلًا صورته حاضرة متدرّعة في ذات العاشق. و هذا ممّا أوضحنا سبيله و حقّقنا طريقه بحيث لم يبق لأحد من الأزكياء مجال الإنكار فيه.
و قد وقع في حكايات العشّاق ما يدلّ على ذلك، كما روي أن مجنون العامريّ كان في بعض الأحايين مستغرقاً في العشق بحيث جاءت حبيبته و نادته: يَا مَجْنونُ! أنَا ليلى. فما التفت إليها، و قال:
لِي عَنْكِ غِنًى بِعِشْقِكِ!٢
فإنّ العشق بالحقيقة هو الصورة الحاصلة، و هي المعشوقة بالذات لا الأمر الخارجيّ و هو ذو الصورة إلّا بالعرض، كما أن المعلوم بالذات هو نفس الصورة العلميّة لا ما خرج عن التصوّر.
و إذا تبيّن و صحّ اتّحاد العاقل بصورة المعقول و اتّحاد الجوهر الحاسّ بصورة المحسوس- كلّ ذلك عند الاستحضار الشديد و المشاهدة القويّة كما سبق- فقد صحّ اتّحاد نفس العاشق بصورة معشوقه بحيث لم يفتقر بعد ذلك إلى حضور جسمه و الاستفادة من شخصه، كما قال الشاعر:
أنَا مَنْ أهْوَى وَ مَنْ أهْوَى أنَا *** نَحْنُ رُوحَانِ حَلَلْنَا بَدَنَا - قال الحكيم السبزواريّ: يعني أن الاتّحاد، و إن حصل بمشاهدة مرّة، إلّا أنّه يستدعي مَلَكة الاتّحاد، لأنّه أثر هذه الصور على جميع مدركاته.
- قال سماحة الحاجّ السيّد هاشم الحدّاد روحي فداه: أن مجنون ليلى كان يقول لليلى: دَعِي نَفْسَكِ عَنِّي! فَإنَّ فِيكِ غِنًى عَنْكِ!
