
معرفة الله ج1
أصل هذه الابحاث دورة تفسيريّة جرى فيها المذاكرة والتحرير من الآية المباركة {اللَهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} إلى {وَاللَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقد جري البحث والمذاكرة في هذه الأبحاث عن مسألة التوحيد الذاتي والأسمائي والأفعاليّ للذات المقدّسة للحقّ تعالى، وعن كيفيّة نشوء عالم الخلقة، وربط الحادث بالقديم، ونزول نور الوجود في مظاهر الإمكان، وحقيقة الولاية وربط الموجودات بذات الباري تعالى، وعن لقاء الله والوصول إلي ذاته المقدّسة بفناء الوجود المجازي المُعار واندكاكه في الوجود الحقيقيّ المطلق الأصيل.
معرفة الله ج۱
122و من هنا يظهر أوّلًا أن قوله: {إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ} يتضمّن حجّة على المعاد، لما عرفت أن الربوبيّة لا تتمّ إلّا مع عبوديّة، و لا تتمّ العبوديّة إلّا مع مسؤوليّة، و لا تتمّ مسؤوليّة إلّا برجوع و حساب على الأعمال، و لا يتمّ حساب إلّا بجزاء.
و ثانياً: أن المراد بملاقاته انتهاؤه إلى حيث لا حكم إلّا حكمه، من غير أن يحجبه عن ربّه حاجب.
و ثالثاً: أن المخاطب في الآية هو الإنسان بما أنّه إنسان، فالمراد به الجنس، و ذلك أن الربوبيّة عامّة لكلّ إنسان».۱
قد أثبت أعاظم حكماء الإسلام أن بين ربّ العزّة و بين مخلوقاته نوعاً من الجذب و الانجذاب يُعَبَّر عنه بالعشق.
و لا جَرَمَ أن حبّ الله لمخلوقاته هو الذي أوجدها، و ألبس كلّ واحد منها (كلٌّ حسب إمكانيّته و استعداده و ماهيّته المتفاوتة) لباس الوجود و البقاء، و وصف كلّا منها بصفاته حسب ما يتناسب معه. أن هذا الحبّ هو الذي أعطى العالَم كيانه و بقاءه و ديمومته، بِدءاً بالأفلاك و مروراً بالأرض و الذرّة إلى الدُّرّة، و جَعْلها كلّها موجودات تتحرّك نحوه و تشقُّ طريقها إليه.
و كذا حال حياتنا و معيشتنا في حركتنا نحو الله، فهي تمضي قدماً إلى لقائه بواسطة ذلك الحبّ و العشق الذي أوجده الله عزّ و جلّ في الخلقة و الفطرة. و على هذا فإنّ كلّ موجود من الموجودات الإمكانيّة يجد طريقه إلى الاستمرار في حياته و بقائه على أساس و أصل ذلك الحبّ للمحبوب، و هكذا يستمدّ قانون التجاذب (الجذب و الانجذاب) استمراريّته بين جميع المخلوقات السفليّة (الدنيا) و العوالم العُلويّة.
- «الميزان في تفسير القرآن» ج ٢۰، ص ٣٦۰.
